لحظة افتُتح معرض "آرت دبي" بنسخة 2026 في مدينة جميرا أعادت ترسيخ موقع دبي باعتبارها واحدة من أكثر نقاط التقاطع الثقافي طموحاً في عالم الفن المعاصر؛ مكان بات فيه العالم العربي يتحدث بصوته الخاص بصورة مكثّفة وبوتيرة متسارعة.

ما يميّز "آرت دبي" من كثير من المعارض الغربية هو تحديداً رفضه تقليدها. فمنذ انطلاقته، ركّز المعرض على جغرافيات فنية، كانت - في أغلب الأحيان - مهمّشة في السوق الفنية السائدة: العالم العربي، أفريقيا، جنوب آسيا، وأجزاء من أميركا اللاتينية. ومن خلال ذلك، أصبح واحداً من المعارض الكبرى القليلة القادرة على إعادة صياغة السرديات الفنية العالمية، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الهرميات الراسخة.
ولا يقتصر تأثير المعرض على المبيعات. فقد نجح "آرت دبي" في ترسيخ نفسه بوصفه منظومة ثقافية طويلة الأمد عبر التكليفات الفنية، والمبادرات التعليمية، والشراكات المؤسسية، والمؤتمرات، مثل "المنتدى الفني العالمي" الشهير، الذي يُوصَف بأنه أكبر مؤتمر سنوي للفنون في الشرق الأوسط وآسيا. كذلك، تعكس البرامج التعليمية التابعة للمعرض، بما في ذلك الورش التي يقودها الفنانون والمبادرات الطلابية، استراتيجية إماراتية أوسع تنظر إلى الثقافة لا باعتبارها مجرد وجاهة زخرفيّة، بل بوصفها بنية تحتية.

ترتبط أهمية هذا التوجّه بصورة الإمارات على الساحة الدولية ارتباطاً وثيقاً. ففي السنوات الأخيرة، استثمرت الدولة بكثافة في المتاحف، والبيناليات، وأسابيع التصميم، وحفظ التراث، واضعة نفسها كمركز إقليمي للتبادل الثقافي العالمي خارج العواصم الغربية التقليدية. وقد أصبح "آرت دبي" واحداً من أوضح تجليات هذا الطموح، إذ يقدّم صورة الإمارات المنفتحة، الكوزموبوليتية، المتطلعة إلى المستقبل تكنولوجياً، والمترابطة ثقافياً مع العالم.
يتجلّى ذلك بصورة خاصة في الأقسام المخصّصة للممارسات الرقمية ومتعددة الاختصاصات. فبرنامج "آرت دبي ديجيتال"، إلى جانب التركيبات الفنية الضخمة والتكليفات الهجينة التي تجمع ما بين الصوت والذكاء الاصطناعي والوسائط الغامرة، يعكس كيف باتت دبي تربط صورتها بشكل متزايد بثقافة قائمة على الابتكار، لا بالنماذج المتحفية التقليدية وحدها.
من جهة ثاني، يشارك نحو 11 فناناً إماراتياً، من بينهم سارة الحداد، وسارة أهلي، وفارس عبدالله الشعفار، وسارة المهيري، وزينب الهاشمي، وشيخة المزروع، إلى جانب أعمال لروّاد الفن المعاصر في الإمارات مثل حسن شريف، ومحمد كاظم، ومحمد أحمد إبراهيم. ولفتة إلى أنّ بعض الفنانين سيكشفون عن أعمال جديدة تُعرض للمرة الأولى، من أبرزها المشروع الرقميّ الذي يقدّمه محمد كاظم بتكليف من "جوليوس باير"، حيث يعيد بناء إحداثيات دبي داخل غرفة تفاعلية، في تجربة تدعو الزوّار إلى الدخول في قلب العمل الفني والتحوّل إلى جزء من مشهد يجسّد المدينة والمعرض في الوقت نفسه.

أما في ما يخصّ التكليفات الفنية، فتشهد الدورة الحالية تعاوناً مع "السركال أفنيو"، ضمن برنامج يضم عدداً كبيراً من الأعمال المُنتَجة للمعرض تحديداً. ومن بين هذه المشاريع عمل "أوتش استوديو" المعنون "مازر إيرث" (الأرض الأم)، وهو تركيب نحتي قائم على الذكاء الاصطناعي، يحوّل البيانات المناخية الخام، من جودة الهواء وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى مستويات الرطوبة والتقلّبات الحرارية، إلى تجربة حسية غامرة تجمع بين الفن والتكنولوجيا والوعي البيئي.
ربما يكمن الإنجاز الأكبر للمعرض في مكان آخر: قدرته على خلق الحوار. فبينما يهيمن التفكّك الجيوسياسي على العناوين الرئيسية، يواصل "آرت دبي" أداء دوره كنقطة التقاء بين الفنانين والقيّمين الفنيين وجامعي الأعمال والمؤسسات الآتين من عوالم مختلفة جذرياً. ومن هذا المنطلق، لا يُقدّم المعرض بياناً ثقافياً حول ما تريد الإمارات أن تمثّله في القرن الحادي والعشرين: التواصل، والتبادل، والحضور العالمي عبر الثقافة.



