قبل أكثر من عقد،
كان وجود السيارات الكهربائية في شوارع دبي نادراً. لم تكن محطات الشحن منتشرة،
وكانت فكرة قيادة سيارة تعمل بالكهرباء بالكامل تبدو لكثيرين خياراً مستقبلياً أكثر منه واقعاً
يومياً. لكن خلال سنوات قليلة فقط، تغيّر المشهد بصورة لافتة، لتصبح المركبات
الكهربائية جزءاً متزايد الحضور في طرقات الإمارة، مدعومة ببنية تحتية متطورة
واستراتيجية حكومية طويلة المدى تستهدف بناء مدينة أكثر استدامة وأقل اعتماداً على
الوقود التقليدي.

خفض الانبعاثات الكربونية
في قلب هذا التحوّل
تقف مبادرة "الشاحن الأخضر" التي أطلقتها هيئة كهرباء ومياه دبي عام
2014، لتشكل واحدة من أهم الخطوات العملية نحو ترسيخ ثقافة التنقل المستدام في
الإمارة. فما بدأ بعدد محدود من محطات الشحن تحوّل اليوم إلى شبكة واسعة تغطي
مختلف مناطق دبي، وتدعم آلاف المستخدمين الذين اختاروا المركبات الكهربائية وسيلة
للتنقل.
وتكشف الأرقام حجم
التحوّل الذي شهدته المبادرة خلال السنوات الماضية. فمنذ إطلاقها، وفرت شبكة الشحن
أكثر من 62 ألف ميغاوات ساعة من الكهرباء، وهي كمّية كافية لتشغيل آلاف المنازل
لفترات طويلة. كما مكنت المركبات الكهربائية من قطع أكثر من 310 ملايين كيلومتر
على طرق دبي، وهي مسافة تعادل الدوران حول الكرة الأرضية أكثر من 7700 مرة تقريباً.
هذه الأرقام لا
تعكس فقط نموّ استخدام السيارات الكهربائية، بل تشير أيضاً إلى تغيّر تدريجي في
سلوك الأفراد والشركات تجاه وسائل النقل النظيفة. فمع تزايد الوعي البيئي وارتفاع
كفاءة المركبات الكهربائية، باتت هذه السيارات خياراً أكثر جاذبية للعديد من
السكان والمؤسسات.
ويأتي هذا التوجه
في وقت تسعى فيه دولة الإمارات إلى تحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050، وهو هدف
يتطلب خفض الانبعاثات الكربونية في مختلف القطاعات، بما في ذلك قطاع النقل الذي
يعد من أكبر مصادر الانبعاثات في العديد من دول العالم. وتشير تقديرات دولية إلى
أن النقل البرّي يسهم بنحو ربع الانبعاثات المرتبطة بالطاقة عالمياً، ما يجعل التحول
إلى المركبات الكهربائية أحد أهم الحلول المطروحة لمواجهة التغير المناخي.

نقل أخضر
ولم يكن نجاح
مبادرة "الشاحن الأخضر" مرتبطاً بتوفير محطات الشحن فقط، بل ببناء
منظومة متكاملة تجعل استخدام السيارة الكهربائية تجربة سهلة ومريحة. فاليوم تضم
دبي أكثر من 2223 نقطة شحن موزعة في مختلف أنحاء الإمارة، تشمل محطات هيئة كهرباء
ومياه دبي ومحطات المشغلين المعتمدين.
وتوفر الشبكة
أربعة أنواع مختلفة من الشواحن لتلبية احتياجات المستخدمين، بدءاً من الشواحن
المنزلية وأجهزة الشحن في أماكن العمل، مروراً بمحطات الشحن العامة، وصولاً إلى الشواحن
الفائقة السرعة التي تصل قدرتها إلى 150 كيلووات، ما يسمح بشحن المركبات خلال
فترات زمنية أقصر مقارنة بالأجيال السابقة من المحطات.
ويبلغ عدد
المتعاملين المسجلين في المبادرة نحو 23 ألفاً و600 متعامل، وهو رقم يعكس النموّ
المتواصل في أعداد مستخدمي المركبات الكهربائية في الإمارة. كذلك طوّرت الهيئة
منظومة رقمية متكاملة تتيح تسجيل المستخدمين بصورة تلقائية عند تسجيل المركبة
الكهربائية لدى هيئة الطرق والمواصلات في دبي، ليصبح بإمكان السائق استخدام خدمات
الشحن خلال ساعة واحدة فقط.
وامتد التطوير
ليشمل الزوار أيضاً، حيث يمكن لسائقي المركبات الكهربائية من داخل الدولة وخارجها
الاستفادة من محطات الشحن عبر خاصية "المستخدم الزائر"، من خلال مسح رمز
الاستجابة السريعة وإتمام العملية عبر الهاتف الذكي من دون الحاجة إلى إجراءات
تسجيل معقدة.
وتنسجم هذه الجهود
مع عدد من الاستراتيجيات الطموحة التي تتبنّاها دبي، من بينها استراتيجية دبي
للطاقة النظيفة 2050، واستراتيجية الحياد الكربوني 2050، واستراتيجية دبي للتنقل
الأخضر 2030، والتي تهدف جميعها إلى تعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة
وتقليل البصمة البيئية للمدينة.

دبي للطاقة النظيفة
وربما لا تكمن أهمية
مبادرة "الشاحن الأخضر" في الأرقام التي حققتها فقط، بل في ما تمثله من
تحوّل أوسع في مفهوم التنقل داخل المدن الحديثة. فبين محطة شحن كانت قبل سنوات
قليلة تجربة جديدة على سكان دبي، وشبكة تضم اليوم أكثر من ألفي نقطة شحن، تتجسد
قصة مدينة اختارت أن تستثمر مبكراً في المستقبل، وأن تجعل من الاستدامة جزءاً
أساسياً من حياتها اليومية.
ومع استمرار نموّ أعداد المركبات الكهربائية
وتوسّع البنية التحتية الداعمة لها، يبدو أن طرق دبي تمضي بخطوات متسارعة نحو
مرحلة جديدة، يصبح فيها التنقل النظيف خياراً طبيعياً، لا استثناءً، في واحدة من
أكثر مدن العالم طموحاً في مجال الاقتصاد الأخضر.



