من مرجع لرؤية الأهلة إلى شريك في رصد الكويكبات والرحلات الفضائية، قطع مركز الفلك الدولي في أبوظبي رحلة علمية جعلته واحداً من أبرز المراكز الفلكية المتخصصة في المنطقة. وتعود جذور هذه الرحلة إلى عام 1998 مع إطلاق المشروع الإسلامي لرصد الأهلة، قبل أن يتأسس المركز رسمياً في أبوظبي عام 2012 على يد الباحث الفلكي محمد شوكت عودة، ليتحول إلى مؤسسة علمية تُعنى بالأبحاث والرصد الفلكي، ومراقبة سقوط الأقمار الاصطناعية، ورصد الأجرام السماوية، وحساب المواقيت ورؤية الأهلة، إلى جانب نشر المعرفة الفلكية والتعاون مع الهيئات والمراصد العلمية حول العالم. واستناداً إلى شبكة من الخبراء ومرصد الختم الفلكي في صحراء أبوظبي، أسهم المركز في ترسيخ مكانة دولة الإمارات على خريطة العلوم الفلكية، بوصفها شريكاً في إنتاج المعرفة العلمية لا مستهلكاً لها.

الإمارات على خريطة العلوم الفلكية
أكثر من مركز لرؤية الهلال
منذ تأسيسه، عمل مركز الفلك الدولي على أن يكون مرجعاً علمياً للجهات الرسمية والباحثين والمهتمين بعلم الفلك، معتمداً على شبكة واسعة من الخبراء والراصدين المنتشرين في عدد من الدول. ورغم أن المشروع الإسلامي لرصد الأهلة يعد من أبرز برامجه وأكثرها حضوراً لدى الجمهور، فإن نشاطات المركز تمتد إلى مراقبة سقوط الأقمار الاصطناعية، ورصد الشهب والكويكبات، ومتابعة الظواهر الفلكية، ونشر الأبحاث العلمية، إضافة إلى تطوير البرامج المتخصصة في حساب المواقيت ورؤية الأهلة.
هذا التنوع يعكس انتقال المركز من أداء دور استشاري في المسائل الفلكية إلى المشاركة في إنتاج المعرفة الفلكية نفسها، عبر الأبحاث والرصد الميداني والتعاون مع المؤسسات العلمية الدولية.
مرصد في قلب الصحراء
ويشكل مرصد الختم الفلكي، الواقع في صحراء أبوظبي، القلب العلمي للمركز. فمن هذا الموقع، تُرصد الأجرام السماوية الخافتة، وتُوثق الظواهر الكونية، وتُلتقط صور المركبات الفضائية والكويكبات، باستخدام منظومة تعمل آلياً بالكامل، تتيح تشغيل المرصد عن بُعد من دون الحاجة إلى وجود فريق داخله.

رصد الهلال
وقد حاز المرصد اعتماد الاتحاد الفلكي الدولي ومنح الرمز العالمي M44 بعد نجاحه في تنفيذ سلسلة من الأرصاد الدقيقة للكويكبات وفق معاييرعلمية صارمة، وهو إنجاز وضعه ضمن شبكة المراصد العالمية المعتمدة، وفتح أمامه الباب للمشاركة في برامج الرصد الدولية الخاصة بالأجرام القريبة من الأرض.
من الهلال إلى الكويكبات
ولم تعد مهمة المرصد تقتصرعلى رصد الأهلة أو تحديد بدايات الأشهر القمرية، بل امتدت إلى توثيق أحداث فلكية معقدة ونادرة. فقد نجح في تصوير الكويكبات العابرة قرب الأرض، ورصد احتجاب أحد النجوم خلف كويكب يقع على بعد مليارات الكيلومترات، وهي ظاهرة لا يمكن توثيقها إلا إذا كان المرصد ضمن شريط جغرافي ضيق للغاية.
كما تمكن من تصوير المركبة الفضائية "أوريون" التابعة لمهمة "أرتيميس 2" أثناء توجهها نحو القمر، بعد التقاط أكثر من مئة صورة لها وهي على مسافة تقارب 192 ألف كيلومتر من الأرض، في إنجاز يعكس دقة التجهيزات والخبرات التي يمتلكها المرصد. وإلى جانب ذلك، نجح في تصوير سديم "ميدوسا" بعد عملية رصد استمرت 33 ساعة متواصلة، كما يشارك في برامج رصد الكواكب خارج المجموعة الشمسية والظواهر الكونية المختلفة.
العلم في مواجهة الشائعات
ولا يقتصر دور مركز الفلك الدولي على الرصد والأبحاث، بل يمتد إلى نشر الثقافة العلمية وتصحيح المفاهيم الخاطئة. فالمركز يخصص مساحة لرصد الشائعات الفلكية المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والرد عليها بأسلوب علمي موثق، في محاولة لتعزيز الوعي العلمي لدى الجمهور، والحد من انتشار المعلومات المضللة في القضايا المرتبطة بالفضاء والفلك.

برامج متخصصة لحساب المواقيت
كما يوفر برامج متخصصة لحساب المواقيت، وينشر نتائج رصد الأهلة والأبحاث العلمية، ويتعاون مع وسائل الإعلام لتفسير الظواهر الفلكية بلغة مبسطة تجمع بين الدقة وسهولة الفهم.
حضور يتجاوز حدود الإمارات
ومنذ انطلاقته، نسج المركز شبكة تعاون واسعة مع هيئات علمية ومؤسسات دينية وجامعات ومراصد في عدد كبير من الدول، وشارك في مؤتمرات علمية متخصصة، وأسهم في تطوير معايير لرؤية الأهلة نُشرت في دوريات علمية محكمة، كما نظم مؤتمرات فلكية دولية استضافت باحثين وخبراء من عشرات الدول.
هذا الحضور جعل من أبوظبي نقطة التقاء لجهود علمية تمتد من العالم العربي إلى أوروبا وآسيا، ورسخ مكانة المركز بوصفه مرجعاً في عدد من التطبيقات الفلكية، سواء المتعلقة برؤية الهلال أم بحساب المواقيت أو برصد الأجرام السماوية.
وراء المشروع
ويرتبط اسم المركز بمديره المهندس محمد شوكت عودة، الباحث وراصد الفلك وعضو الاتحاد الفلكي الدولي، الذي أسهم في تطوير عدد من برامجه العلمية، ونشر أبحاثاً محكمة في مجال رؤية الأهلة والتطبيقات الفلكية، كما قاد إنشاء مرصد الختم الفلكي.
وتقديراً لإسهاماته، أطلق الاتحاد الفلكي الدولي اسمه على أحد الكويكبات عام 2023، كما سجل اكتشافات علمية بارزة، من بينها اكتشاف أول مستعر أعظم (سوبرنوفا) من مرصد عربي، واكتشاف كويكب جديد، فضلاً عن توثيق عدد من الزخات الشهابية. وتشكل هذه الإنجازات نموذجاً لدور الباحث العربي في الإسهام في المعرفة الفلكية العالمية، انطلاقاً من مؤسسة تتخذ من الإمارات مقراً لها.



