لم يعد المتحف في القرن الحادي والعشرين مجرد مبنى تُحفظ داخله الأعمال الفنية، بل أصبح هو نفسه جزءاً من التجربة الإبداعية. هذه الفكرة تكاد تختصر الحكاية التي يستعد متحف "غوغنهايم أبوظبي" لكتابتها مع اقتراب افتتاحه في جزيرة السعديات، حيث يلتقي أحد أشهر الأسماء في تاريخ الفن الحديث والمعاصر مع مشروع ثقافي تسعى من خلاله أبوظبي إلى ترسيخ مكانتها بين أبرز العواصم الثقافية في العالم.

متحف "غوغنهايم أبوظبي" في جزيرة السعديات
لا يبدو المبنى قاعة عرض تقليدية، بل منحوتة معمارية ضخمة تتبدل ملامحها مع الضوء وحركة النظر. كتل هندسية متداخلة، ومخاريط وأبراج تستلهم حركة الرياح، وفراغات تنفتح على السماء والبحر، تجعل العمارة أول عمل فني يلتقيه الزائر قبل دخوله إلى القاعات. فالمتحف، الذي صممه المعماري العالمي فرانك غيري، لا يكتفي بأن يحتضن الفن، بل يشارك في إنتاج الدهشة التي يقوم عليها.
تعود البدايات إلى رجل الأعمال الأميركي سولومون روبرت غوغنهايم، الذي كرّس جزءاً كبيراً من ثروته لدعم الفن الحديث في النصف الأول من القرن العشرين. ومن هذا الاهتمام، تأسست "مؤسسة سولومون آر. غوغنهايم" عام 1937، لتتحول مع الوقت إلى واحدة من أبرز المؤسسات الفنية في العالم، وترتبط باسم متاحف شكّلت علامات فارقة في نيويورك وبلباو والبندقية، قبل أن تصل إلى أبوظبي في أكبر فروعها من حيث المساحة.

"غوغنهايم أبوظبي" رؤية أوسع لإنشاء منطقة ثقافية متكاملة في جزيرة السعديات
ولا يأتي اختيار أبوظبي مصادفة. فمنذ الإعلان عن المشروع عام 2006، كان "غوغنهايم أبوظبي" جزءاً من رؤية أوسع لإنشاء منطقة ثقافية متكاملة في جزيرة السعديات، تضم مؤسسات فنية ومعرفية كبرى، وتحوّل الجزيرة إلى مساحة للحوار الثقافي، لا إلى مجرد وجهة سياحية. وفي هذا السياق، يقف المتحف إلى جانب اللوفر أبوظبي، ومتحف زايد الوطني، ومتحف التاريخ الطبيعي، ضمن مشروع يراهن على الثقافة بوصفها ركناً من أركان التنمية الشاملة.
وقد عبّر المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش عن هذا المعنى حينما وصف المشروع الثقافي في أبوظبي بأنه يكتمل ليؤسس "واحة عالمية من الإبداع"، مشيراً إلى أن "غوغنهايم أبوظبي" يبرز كإحدى أهم وجهات الفنون والثقافة المنتظر افتتاحها في عام 2026، ومؤكداً أن التنمية الشاملة لا تكتمل من دون المكوّن الثقافي، باعتباره ركناً أصيلاً من أركان النهضة.
في قلب المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات، يتربع المتحف ثمرة تعاون بين دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي ومؤسسة سولومون آر. غوغنهايم. ومنذ بداياته، لم يكن المشروع مجرد استقدام لاسم عالمي، بل محاولة لبناء منصة فنية جديدة تعيد طرح أسئلة الفن الحديث والمعاصر من موقع جغرافي وثقافي مختلف. فهنا، لا يُنظر إلى أبوظبي كمتلقية للفن العالمي فحسب، بل كطرف فاعل في إعادة صوغ الحوار حوله.

المتحف مساحة لإعادة قراءة تاريخ الفن الحديث والمعاصر من زوايا متعددة
وتكمن خصوصية "غوغنهايم أبوظبي" في أنه لا يعيد إنتاج النموذج الغربي للمتحف، بل يوسع مفهومه. فالمتحف سيقدم مجموعة فنية عالمية متنوعة، مع تركيز خاص على الأعمال القادمة من الخليج العربي وغرب آسيا وجنوبها وشمال أفريقيا، وهي مناطق بقي حضورها في السرديات الفنية العالمية أقل مما تستحق. وبهذا، يصبح المتحف مساحة لإعادة قراءة تاريخ الفن الحديث والمعاصر من زوايا متعددة، لا من مركز واحد.
وتضم مجموعة المتحف حالياً أكثر من 600 عمل فني، تغطي وسائط وفئات مختلفة، وتمثل أجيالاً متعددة من الفنانين، مع اتساع مستمر في عدد الدول والمناطق التي تشملها. ولا تقتصر هذه المجموعة على اللوحات والمنحوتات، بل تمتد إلى الأعمال التركيبية، والفنون البصرية، والوسائط المعاصرة، بما يعكس التحولات التي شهدها الفن منذ ستينات القرن الماضي، حينما بدأ الفنانون في العالم كله يختبرون أشكالاً جديدة للتعبير، تتجاوز الإطار التقليدي للعمل الفني.
ومن خلال هذه المجموعة، يسعى "غوغنهايم أبوظبي" إلى إلقاء الضوء على نقاط الالتقاء والاختلاف بين الثقافات، لا بوصفها شعارات عامة، بل من خلال أعمال فنية نشأت في سياقات تاريخية واجتماعية محددة. فالفن هنا لا يُعرض منفصلاً عن زمنه، بل يُقرأ بوصفه شاهداً على تحولات سياسية واجتماعية وجمالية، وعلى أسئلة الهوية والمنفى والمدينة والذاكرة والجسد والتكنولوجيا.
أما التصميم المعماري، فيشكل فصلاً قائماً بذاته في حكاية المتحف. فقد صمم فرانك غيري المبنى في موقع تحيط به مياه الخليج من ثلاث جهات، ما يمنحه علاقة مباشرة بالبحر والضوء والأفق. واستلهم غيري بعض عناصر العمارة التقليدية في المنطقة، مثل الأفنية المسقوفة وأبراج الرياح التي استخدمت تاريخياً لتبريد المباني في المناخ الصحراوي، لكنه أعاد صوغها بلغة معمارية معاصرة، تجمع بين الجرأة الهندسية ووظيفة المكان.
وتتوزع قاعات العرض في تكوينات أفقية وعمودية بأحجام مختلفة، ترتبط بممرات علوية وتلتف حول فناء مركزي مسقوف. هذا التوزيع لا يهدف إلى الإبهار الشكلي فقط، بل إلى توفير مساحات متعددة تناسب طبيعة الفن المعاصر، من الأعمال الصغيرة والحميمة إلى التركيبات الضخمة التي تحتاج إلى فضاءات واسعة ومرنة. كما يضم التصميم مساحات تعليمية وبحثية، ومختبرات للترميم، ومرافق مخصصة للفن والتكنولوجيا، بما يجعل المتحف مركزاً معرفياً بقدر ما هو فضاء للعرض.
ومن الخارج، تظهر كتل المبنى وكأنها تتجمع في حركة مستمرة. المخاريط والمكعبات المتداخلة تستحضر، في بعض قراءاتها، صورة الحطب المكدس حول النار، وهو رمز يرتبط بالذاكرة المحلية وبفكرة الاجتماع والحكاية وتبادل المعرفة. وفي الوقت نفسه، يحتفظ التصميم ببصمة غيري المعروفة، حيث تبدو العمارة كأنها في حالة تشكل دائم، لا تستقر على زاوية واحدة ولا تُقرأ من منظور واحد.
ولعل هذه العلاقة بين المحلي والعالمي هي ما يمنح "غوغنهايم أبوظبي" خصوصيته. فهو يحمل اسم مؤسسة عالمية، ويستند إلى خبرة متحفية واسعة، لكنه لا يحاول أن يكون نسخة من نيويورك أو بلباو. فالموقع، والمناخ، والبحر، والضوء، والذاكرة المعمارية للمنطقة، كلها عناصر تدخل في تكوينه، وتجعل منه متحفاً ينتمي إلى السعديات بقدر ما ينتمي إلى شبكة غوغنهايم العالمية.

برنامجه سيشمل معارض خاصة
ولا يقتصر دور المتحف على عرض الأعمال الفنية. فبرنامجه سيشمل معارض خاصة، وأعمالاً فنية تُنجز بتكليف من المتحف، ومشاريع بحثية، وبرامج تعليمية وتوعوية، ومساحات للحوار بين الفنانين والباحثين والجمهور. وبهذا، يتحول المتحف إلى مؤسسة حية، لا إلى مكان ساكن للعرض. فهو لا يكتفي بأن يقدّم الفن للزائر، بل يدعوه إلى التفكير فيه، وإلى فهم علاقته بالتاريخ والمجتمع والتكنولوجيا وتحولات العالم المعاصر.
تبدو عبارة "الفن العالمي" في حالة غوغنهايم أبوظبي مختلفة عن معناها التقليدي. فهي لا تعني عرض أعمال من قارات عدة فحسب، بل إعادة التفكير في معنى العالمية نفسها. فالعالمية التي يطرحها المتحف لا تقوم على مركز واحد يعرّف الفن للآخرين، بل على تعدد المراكز واللغات والتجارب. وفي هذا المعنى، يصبح حضور فناني الخليج وغرب آسيا وجنوب آسيا وشمال أفريقيا جزءاً من إعادة التوازن إلى خريطة الفن الحديث والمعاصر.
وفي هذا السياق، يمكن فهم المتحف بوصفه جزءاً من انتقال أوسع في رؤية الإمارات للثقافة. فالثقافة لم تعد نشاطاً مكملاً للمشاريع الاقتصادية والعمرانية، بل أصبحت عنصراً أساسياً في صورة المدينة ومكانتها الدولية. والمتاحف، بهذا المعنى، لا تحفظ الماضي فقط، بل تصنع المستقبل أيضاً، لأنها تمنح المدن لغة ناعمة للتواصل مع العالم، وتفتح أمام سكانها وزوارها أسئلة جديدة حول الهوية والمعرفة والإبداع.
ولعل القيمة الأعمق للمتحف تكمن في قدرته على طرح سؤال بسيط ومعقد في آن واحد: كيف يمكن للفن أن يروي العالم من أكثر من زاوية؟ فبدلاً من تقديم تاريخ الفن كخط واحد يبدأ من الغرب ويمتد إلى الآخرين، يسعى غوغنهايم أبوظبي إلى بناء سردية أكثر تعدداً، تعترف بأن الحداثة لم تكن تجربة واحدة، وأن المعاصرة لا تُفهم إلا من خلال اختلاف الأصوات والتجارب.



