على مدى نحو ثمانية عقود، ظلّ الشيخ عبد الرحمن المدني حاضرا في قلب ديرة، ينسج عبر الكندورة الإماراتية جزءا من ذاكرة دبي وهويتها. لم يكن أقدم خياط في المدينة، الذي رحل عن عمر ناهز 97 عاما، مجرد صاحب مهنة عاصر تحوّل دبي إلى واحدة من أبرز مدن العالم، بل أصبح رمزًا ارتبط بذاكرة أجيال من الإماراتيين. ولعل ذلك ما عبّر عنه الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، في نعيه قائلاً: "تعود بذاكرة جيلنا، في منطقة ديرة بدبي، ملامح هذا الشيخ الجليل، بهدوئه ووقاره ومثابرته"، مضيفًا: "تمضي السنين، ويبقى أصحاب السيرة الحسنة حاضرين في الذاكرة والوجدان".

خياط كندورة...ذاكرة جيل
بدأت رحلته المهنية عام 1947 فتى صغيراً في منطقة الديرة في دبي، وبقي يعمل حتى بعد تجاوزه سن التسعين، شهد خلالها تطوّر مدينة دبي من مدينة صغيرة حتى أصبحت من أهم المدن العالمية، بل وعاش كل تفاصيل اتحاد الإمارات إلى أن اتخذ شكله الحالي.
تخيلوا كم من الشغف والمثابرة يحمل رجل تجاه مهنته كي يبقى حوالى الـ80 عاماً يعمل في المكان ذاته وفي المهنة نفسها. كان يعمل بدايةً في محل صغير ثم أسّس بعد ذلك مجموعة محلات ألبسة رجالية وصلت إلى 10 فروع باسم "الثوب الوطني"، ومع ذلك بقي يذهب إلى مقرّ عمله يومياً حتى بعد بلوغ سنه التسعين.

أثناء تأديته واجب عزاء
ارتبط اسمه بالكندورة، وكما هو مذكور في التعريف عن مجموعته للألبسة، أنه تعامل مع الكندورة كجزء من التراث الوطني والهوية الإماراتية، وليس فقط كمجرد لباس، وهو ما ساهم في تعريف الآلاف من السياح والزوار بها، ويشتهر بدقته في اختيار الأقمشة وإتقانه التفاصيل التي حافظت على الهوية التقليدية للكندورة الإماراتية رغم تغير الموضة وتطور أساليب الإنتاج.

مسيرة طويلة تصوغها ذاكرة دبي
امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي فور إعلان خبر وفاته بالكلمات المؤثرة تعبيراً عن الحزن بفقدان المدني، فقال أحدهم: "أنا من إمارة رأس الخيمة وكنت دائماً آتي مسافة طويلة إلى منطقة الديرة في دبي فقط لأخيط ملابسي وملابس أولادي وأحفادي لديه"، وقال آخر إنه "فصّل ثوبه لديه عام 1987 وأعطاه ميدالية مكتوب عليها "خياط المدني"، وعلّق آخر معتبراً المدني جزءاً من ذاكرة دبي التي لن تنسى، وتساءل البعض الآخر عن العدد الهائل من الأشخاص من مختلف الأجيال الذي ألبسها المدني ثوباً مصنوعاً بيديه، وبحسب الصور المتداولة، توافد مئات الأفراد من المجتمع الإماراتي، إلى جانب عملاء قدامى وأصدقاء وتلامذة المهنة، لتقديم واجب العزاء واستذكار مسيرته الطويلة.

الشيخ عبد الرحمن المدني
للمدني مساهمة كبيرة في ترسيخ مهنة الخياطة التقليدية بشكلها الأول قبل دخول الآلة إليها، ما ساهم في اكتسابه لقب "شيخ الخياطين" من جانب كلّ من كان يزوره، أو يسمع به، وهو بحسب الخبراء، حوّل الخياطة من حرفة بسيطة إلى إرث اجتماعي وثقافي تتناقله الأجيال، بل وأسهم أيضاً في نقل خبرته إلى أجيال من الخياطين، حتى تحولت ورشته الصغيرة إلى اسم معروف وجزء من هوية دبي الإمارات السابقة والحالية.



