
حصن فلج المعلا في أم القيوين
تحت رمال أم القيوين، وعلى جزرها وسواحلها، تختبئ حكايات تعود إلى آلاف السنين، آثار تحكي كيف كانت هذه الأرض محطة للتجارة، وموطناً للغواصين، ومركزاً دينياً، وملتقى لحضارات عبرت الخليج العربي منذ قرون طويلة.
وخلال السنوات الماضية، كثّفت الإمارة جهودها الإمارة لحماية هذه الآثار وإعادتها إلى الحياة. فقد أنجزت دائرة السياحة والآثار في أم القيوين أعمال ترميم لنحو 300 قطعة أثرية، إلى جانب ترميم ما يقارب 15 مبنىً أثرياً وتاريخياً، في مشاريع يقودها مختصون إماراتيون بالتعاون مع خبراء وبعثات أثرية دولية، بهدف الحفاظ على الإرث الثقافي للأجيال المقبلة.
الدور... المدينة التي ربطت الخليج بالعالم
ربما يكون موقع الدور الأثري أشهر مواقع أم القيوين، فهو يُعد أحد أهم المواقع الأثرية في دولة الإمارات والمنطقة. وتشير الاكتشافات إلى أن المدينة ازدهرت بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي، وكانت ميناءً تجارياً نشطاً على الخليج العربي.
ويضم الدور بقايا معبد، وحصن، وقصر، ومنازل سكنية، ومقابر، إضافة إلى عملات وأوانٍ زجاجية وفخارية جاءت من حضارات مختلفة، ما يدل على أنها لم تكن مدينة معزولة، بل كانت جزءاً من شبكة التجارة التي ربطت جنوب الجزيرة العربية ببلاد الرافدين والهند وشرق البحر المتوسط.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن سكان المدينة اعتمدوا على التجارة البحرية وصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ، وهي أنشطة شكلت لاحقاً جزءاً من هوية الإمارات الساحلية.
جزيرة السينية... حيث ازدهرت تجارة اللؤلؤ
وعلى مقربة من ساحل أم القيوين، تبرز جزيرة السينية بوصفها من أهم الاكتشافات الأثرية في السنوات الأخيرة.
فهنا اكتشف علماء الآثار مدينة متكاملة لصيد اللؤلؤ يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين منتصف القرن الرابع ومنتصف القرن السادس الميلادي، أي قبل أكثر من 1500 عام.

آثار في جزيرة السينية في أم القيوين
وتضم المدينة بقايا منازل حجرية، وساحات، ومستودعات، ما يشير إلى وجود مجتمع عاش بالكامل تقريباً على استخراج اللؤلؤ وتجهيزه وتجارته، في دليل واضح على أن هذه المهنة لم تكن نشاطاً موسمياً فحسب، بل كانت صناعة متكاملة ساهمت في ازدهار المنطقة لقرون طويلة.
وتعد المدينة اليوم من أقدم المدن المعروفة المتخصصة في صيد اللؤلؤ على مستوى الخليج العربي، وهو اكتشاف أعاد تسليط الضوء على الجذور الاقتصادية والتجارية للإمارات قبل العصر الحديث.
أقدم دير مسيحي في الخليج
وفي الجزيرة نفسها، قاد التنقيب إلى اكتشاف لفت أنظار الباحثين حول العالم، وهو دير السينية، الذي يعود إلى الحقبة الممتدة من أواخر القرن السادس حتى منتصف القرن الثامن الميلادي.
ويضم الموقع بقايا كنيسة وبيتاً للأسقف وغرفاً للرهبان وساحات داخلية، في اكتشافٍ قدم أدلة مهمة على التنوع الديني والثقافي الذي عرفته المنطقة خلال تلك المرحلة التاريخية، وعلى ارتباطها بحركة الملاحة والتجارة التي كانت تصل بين الخليج وبلاد الرافدين وبلاد الشام.
ولا تتوقف رحلة التاريخ عند العصور القديمة، إذ تحتضن أم القيوين أيضاً مجموعة من المباني التي تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، من أبرزها حصن أم القيوين، وحصن فلج المعلا، وبيت الشيخ سعيد بن أحمد المعلا، وبيت الشيخ راشد بن أحمد المعلا.

دير أثري في جزيرة السينية في أم القيوين
وتحكي هذه المباني قصة مرحلة تأسيس الإمارة، وتطور الحياة الاجتماعية والسياسية فيها، كما تعكس أساليب العمارة المحلية التي اعتمدت على المواد الطبيعية، وقدرتها على التكيف مع المناخ الصحراوي والساحلي.
لا شك في أن هذه الآثار تشكّل رحلة عبر الزمن، تكشف كيف ساهمت هذه البقعة الهادئة من الإمارات في كتابة فصل مهم من تاريخ الخليج العربي.



