في عالم
تتسابق فيه المدن لتكون عواصم للذكاء والابتكار، تواصل دبي ترسيخ مكانتها واحدة من
أبرز الوجهات الاستثمارية في العالم، بفضل رؤيتها الاقتصادية الطموحة، وقواعدها
القانونية المتطوّرة، وحوافزها القويّة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية. فبعدما
تصدّرت دبي قائمة المدن الأكثر ملاءمة وجاذبية للأثرياء في العالم، وفق تقرير شركة
"سافيلز" (Savills) العقارية العالمية، بات واضحاً أن الإمارة
لا تكتفي بكونها مركزاً للأعمال والاستثمار، بل أصبحت نموذجاً عالمياً في الابتكار
والتحوّل الرقمي.
أسهمت
الإمارات في تعزيز تنافسيتها عالمياً من خلال تحسين بيئة الأعمال، ما رفع تصنيفها
في مؤشرات عديدة، مثل سهولة ممارسة الأعمال والاستثمار الأجنبي المباشر، وجعلها
ضمن الدول التي يثق بها المستثمرون في العالم.
اتسمت بيئة
الاستثمار في الإمارات خلال السنوات الماضية بالمرونة والقدرة على استيعاب تطورات
الاقتصاد العالمي وتنويع مصادر النموّ بعيداً عن النفط.
الأطر
التشريعية: بنية قانونية جاذبة للاستثمار
تستند
جاذبية البيئة الاستثمارية في دولة الإمارات إلى بنية تشريعية حديثة جرى تطويرها
بعناية لتواكب التحوّلات الاقتصادية العالمية وتلبّي متطلبات المستثمرين المحليين
والأجانب على حدّ سواء، برأي الباحث الاقتصادي، د. محمد موسى، الذي أوضح
لـ"النهار" أنّ "القانون الاتحادي للشركات التجارية رقم (26) لسنة
2020 شكّل محطة مفصلية في هذا المسار، إذ أعاد تنظيم بيئة الأعمال على أسس أكثر
مرونة وشفافية، وفتح المجال أمام المستثمرين الأجانب للدخول إلى معظم القطاعات
الاقتصادية مع تسهيلات واسعة في تملّك الشركات وإدارتها، ما عزّز انفتاح السوق
الإماراتية ورفع من تنافسيتها إقليمياً وعالمياً".
هذا التطوّر
التشريعي تُوّج بخطوة أكثر جرأة مع تطبيق التوسّع في الملكية الأجنبية الكاملة
اعتباراً من عام 2025، إذ أصبح بإمكان المستثمرين الأجانب تملّك الشركات بنسبة 100
في المئة حتى في قطاعات البرّ الرئيسي، بعدما كانت هذه الميزة حكراً على المناطق
الحرة. ويُعد هذا التحوّل، بحسب موسى، "تغييراً جوهرياً في فلسفة الاستثمار،
إذ أزال أحد أبرز العوائق التقليدية أمام رؤوس الأموال الأجنبية، وكرّس الإمارات
بيئة أعمال منفتحة تقوم على الشراكة والثقة لا على القيود".

وفي سياق
تعزيز الطمأنينة القانونية للمستثمرين، حرصت الإمارات على بناء شبكة واسعة من
اتفاقيات حماية الاستثمار وتشجيعه، تجاوز عددها 112 اتفاقية مع دول من مختلف
القارات. ويشرح موسى أن "هذه الاتفاقيات تكفل حماية الاستثمارات من الأخطار
غير التجارية، مثل التأميم أو المصادرة، إلى جانب ضمان حرية تحويل الأرباح ورؤوس
الأموال، وهو ما يرفع من مستوى اليقين القانوني ويحدّ من الأخطار السيادية التي
تقلق المستثمرين على المدى الطويل".
ولم تقتصر
المقاربة التشريعية على تنظيم رأس المال والأعمال فحسب، بل امتدّت لتشمل البعد
الإنساني والاستقرار الشخصي للمستثمرين، من خلال تشريعات الإقامة الطويلة الأمد.
فقد أُقرّت أنظمة تمنح المستثمرين المؤهلين إقامات تمتدّ إلى عشر سنوات، وفق
معايير واضحة تتعلق بحجم الاستثمار واستدامته، الأمر الذي أسهم بحسب موسى،
"في جذب أصحاب الثروات والكفاءات العالية، وتحويل الإمارات من وجهة استثمارية
موقتة إلى مركز إقامة وعمل طويل الأمد". وبهذه
المنظومة المتكاملة، تؤكد الإمارات أن التشريع لم يعد مجرد أداة تنظيمية، بل ركيزة
استراتيجية في بناء اقتصاد جاذب ومستدام.
حوافز
الاستثمار: بيئة تنافسية بلا مثيل
وتقدّم
دولة الإمارات حزمة متكاملة من الحوافز التي جعلتها واحدة من أكثر البيئات جذباً
للاستثمار على مستوى العالم، إذ تقوم فلسفتها الاقتصادية على تقليص كلفة الأعمال
وتعظيم حرية حركة رأس المال. ففي معظم القطاعات، يتمتع المستثمرون بإعفاءات ضريبية
شبه كاملة على الدخل والأرباح، سواء للأفراد أو الشركات، إلى جانب حرية تحويل
الأرباح إلى الخارج من دون قيود، ما يعزز الثقة ويحدّ من الأخطار المالية الطويلة
الأجل. وتدعم هذه السياسة الضريبية المرنة منظومةٌ جمركية منخفضة التكاليف، تراوح
رسومها بين صفر وخمسة في المئة تقريباً، وهو ما رسّخ موقع الإمارات كمركز تجاري
ولوجستي عالمي يربط بين أسواق الشرق والغرب، وجعل الدولة تبرز كوجهة مثالية وملاذ آمن لأصحاب الثروات
الباحثين عن بيئة مستقرة وشفافة.
وتوقّع
تقرير شركة "هينلي أند بارتنرز" الاستشارية في مجال الثروات، أن تجذب
الإمارات 10 آلاف من أصحاب الثروات الكبيرة في عام 2025، بمعدّل 27 مليونيراً
يومياً وهو عدد يفوق أي دولة أخرى في العالم بعدما استقبلت 13,000 مليونير في عام
2024، ليصبح عدد سكانها من الأثرياء نحو 240,300 مليونير، بثروات إجمالية تزيد عن
785 مليار دولار.
في موازاة
ذلك، أسهمت الشبكة الواسعة التي تضم أكثر من أربعين منطقة حرة في توفير بيئة أعمال
شديدة التنافسية، حيث تُتاح الملكية الأجنبية الكاملة إلى جانب إجراءات تأسيس
سريعة وبيروقراطية محدودة، الأمر الذي شكّل عامل جذب رئيسياً للشركات المتعدّدة
الجنسيات وروّاد الأعمال. وعزّزت التشريعات الحديثة مرونة تأسيس الشركات ذات
المسؤولية المحدودة من خلال إلغاء شرط الحد الأدنى الإلزامي لرأس المال، ما فتح
الباب أمام المشاريع الصغيرة والمتوسطة للدخول إلى السوق بثقة أكبر وكلفة أقل.
وأصبحت دبي
وجهة جذابة لصناديق التحوّط، بفضل الإعفاء الضريبي، والطقس المشمس خلال السنة،
وفارق التوقيت الذي يسهّل التداول بين الأسواق الآسيوية والأوروبية، حيث تضاعف عدد
صناديق التحوط المسجلة في مركز دبي المالي منذ بداية عام 2024 ليصل إلى أكثر من
100، ما يؤكد صعود المدينة السريع كمركز عالمي ناشئ لهذه الصناعة.
ويضم مركز
دبي المالي الدولي حالياً 102 صندوقي تحوّط، ويدير نحو 80% من صناديق التحوّط في
المركز أصولاً تزيد قيمتها على مليار دولار، وفقا لآخر البيانات الصادرة عن
الصندوق لعام 2025.
لا تقتصر
جاذبية الإمارات على البعد الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى البعد الإنساني والمعيشي،
إذ تتيح الدولة نظام الإقامة الذهبية للمستثمرين وروّاد الأعمال وعائلاتهم، بما
يوفر استقراراً طويل الأمد ويحوّل الاستثمار إلى قرار حياة متكامل، يجمع بين فرص
النموّ الاقتصادي وجودة العيش. وبهذه المنظومة المتكاملة من الحوافز المالية
والتشريعية والمعيشية، تواصل الإمارات ترسيخ مكانتها كوجهة استثمارية عالمية لا
تقوم فقط على جذب رأس المال، بل على استدامته وتوسّعه.
بيئة حاضنة للشركات الناشئة
في هذا
الإطار يتحدث نائب الرئيس في مجموعة Intalio،
ربيع نصر إلى "النهار" عن العوامل التي جعلت من دبي بيئة مثالية
للأعمال. ويؤكد نصر أن ما يميّز دبي هو مزيجها الفريد من البنية التحتية المتقدمة
والسياسات الاقتصادية المرنة والرؤية الحكومية الواضحة التي تركّز على الابتكار
والتنوّع الاقتصادي. ويوضح أن دبي "توفر بيئة أعمال شفافة وسهلة لتأسيس
الشركات، إلى جانب أسلوب حياة عالمي يجذب المستثمرين وروّاد الأعمال على حدّ سواء.
ومن منظور Intalio، فإن دبي ليست مجرّد مركز للأعمال، بل منصّة
للتحوّل الرقمي العالمي، تسعى لتكون نموذجاً للمدن الذكيّة المعتمدة على البيانات
والتقنيات المتقدمة".
وعن قدرة
الإمارات على الموازنة بين الاستثمارات الضخمة ودعم الشركات الناشئة، يؤكد نصر أن
الدولة نجحت في بناء منظومة اقتصادية متكاملة تجمع بين الجانبين، "فبينما
تستقطب الإمارات كبريات الشركات العالمية، توفر أيضاً حاضنات ومسرّعات تدعم
المشاريع الناشئة والابتكار المحلي"، ويضيف أن هذا "التوازن يعزز بيئة
التحوّل الرقمي، إذ توفر الشركات الكبرى الاستثمارات والبنية التحتية، فيما تضيف
الشركات الناشئة روح الابتكار وسرعة التنفيذ".

وارتفع إجمالي عدد الشركات العاملة في دولة الإمارات
حتى نهاية 2025، إلى 1.4 مليون شركة، بعد تسجيل نحو 760 ألف شركة جديدة منذ صدور
قانون الشركات التجارية في أيلول/سبتمبر 2021، محققاً نمواً بنسبة 119% ، بحسب
تصرح سابق لوزير الاقتصاد والسياحة الإماراتي عبد الله بن طوق المري. وتم تأسيس
قرابة 250 ألف شركة جديدة خلال عام 2025، فيما نمت الشركات الصغيرة والمتوسطة
المملوكة لمواطني الدولة بنسبة 63% خلال السنوات الخمس الماضية.
في
المحصلة، تمثل الإمارات اليوم نموذجاً رائداً في جذب الاستثمارات العالمية عبر
منظومة متكاملة تعتمد على تشريعات جاذبة ومبتكرة، حوافز استثمارية قويّة، بيئة
مالية متطوّرة، وتنامٍ واضح في أعداد المستثمرين الأجانب وصنّاع الثروات. التوصية
الاستراتيجية تكمن في تعزيز التكامل التنظيمي الدولي، تطوير التشريعات المتعلقة
بالاستثمارات الرقمية، وتعميق السوق المالية المحلية لتبقى الإمارات من بين أكثر
10 وجهات عالمية جذباً للاستثمار في السنوات المقبلة.



