لم تبدأ حكاية مدرسة الراشد الصالح في دبي مشروعاً تعليمياً عادياً، بل وُلدت منذ عام 1971 رسالةً إنسانيةً، نمت مع الزمن، وترسّخت بالقيم، وتحولت إلى أثرٍ عميق في حياة أجيال متعاقبة.
منذ أيامها الأولى، لم تنظر المدرسة إلى التسامح شعاراً يُرفع في المناسبات، بل روح تُعاش يومياً. حملت الأخوات الراهبات رسالة تربوية سامية تقوم على محبة الإنسان واحترام كرامته وهويته، مهما كان دينه أو انتماؤه أو طبقته الاجتماعية. فكانت المدرسة منذ نشأتها بيتاً مفتوحاً للجميع، بلا تمييز، وبلا استثناء، ما جعلها موضع ثقة المجتمع منذ سنواتها الأولى.

ومع مرور السنين، لم تتراجع هذه الرسالة، بل اتسعت وتعمّقت. واليوم، تضم المدرسة 44 جنسية مختلفة، يعيش طلابها تجربة إنسانية متكاملة، يتعلمون فيها أن الاختلاف ليس عائقاً، بل مصدر قوة، وجسر للتعارف والنمو. واقعٌ عبّرت عنه الوزيرة السابقة جميلة المهيري خلال زيارتها في عام التسامح حينما قالت: "مدرسة الراشد الصالح تمثل مجتمع دبي"، كلمات اختصرت جوهر الحكاية.
لم تفصل المدرسة يوماً بين التعليم والأخلاق، بل آمنت بأن بناء الإنسان الواعي والمتسامح هو الهدف الأسمى للتربية. فالتسامح لم يكن مادة تُدرّس، بل ممارسة تُعاش في الصفوف، وفي الساحات، وفي الحوار اليومي بين الطالب والمعلم، وفي أدق تفاصيل الحياة المدرسية.

ومن هذا الإيمان، انطلقت المدرسة نحو ترجمة القيم إلى مواقف قيادية حقيقية. فحرصت على تحدي قدرات طلبتها من خلال نشاطات وفعاليات نوعية، تصقل مهاراتهم، وتنمّي شخصياتهم، وتؤهلهم ليكونوا قادة المستقبل القادرين على تمثيل وطنهم والإنسانية بأفضل صورة.
ومنذ تأسيسها، حظيت المدرسة بدعم كريم من قيادة دولة الإمارات، إذ قامت على أرض منحها المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي وضع حجر أساسها بنفسه، في رسالة واضحة تؤكد إيمانه العميق بدور التعليم في بناء المجتمع.
وبفضل رسالتها الإنسانية الصادقة، اكتسبت المدرسة ثقة شيوخ دبي، حتى أصبحت محطة تعليمية لأبناء القيادة الرشيدة، وبينهم عدد من أنجال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ومنهم الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، والشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، والشيخة منال بنت محمد بن راشد آل مكتوم، والشيخة حصة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، والمغفور له الشيخ راشد بن محمد بن راشد آل مكتوم، وهي ثقة تعدّ مسؤولية كبيرة قبل أن تكون مصدر فخر.
لقد انسجمت قيم المدرسة في احترام الإنسان وخدمة المجتمع مع رؤية دبي القائمة على التسامح والتعايش، فكان هذا الدعم امتداداً طبيعياً لرسالتها النبيلة، ودافعاً قوياً للاستمرار بثبات وثقة.

وفي زمن التحول الرقمي، لم تنظر المدرسة إلى الجودة التعليمية كإنجاز موقت، بل كالتزام دائم. فحافظت على تقدير "جيد" في تقارير هيئة المعرفة والتنمية البشرية لسنوات طوال، وخرّجت طلبةً حققوا مراكز متقدمة وكانوا من الأوائل على مستوى إمارة دبي.
وفي خضم هذا التحول المتسارع، وظّفت التكنولوجيا وسيلةً لتعزيز التفكير وتنمية شخصية الطالب، من دون أن تفقد العملية التعليمية بعدها الإنساني. فهي تؤمن بأن الجودة لا تُقاس بالأدوات وحدها، بل بقدرتها على إعداد طالب يمتلك المعرفة، والقيم، والوعي.
ولهذا، استثمرت باستمرار في تطوير كوادرها، واعتمدت المتابعة الأكاديمية الدقيقة، وجعلت الطالب محور العملية التعليمية، محافظةً على هويتها التربوية التي شكّلت أساس نجاحها لأكثر من خمسة عقود.
كذلك ربطت التفوق الأكاديمي ببناء الشخصية القيادية، عبر توفير فرص حقيقية للمشاركة في نشاطات ومبادرات تُنمّي القدرات، وتُخرج الطاقات، وتؤهّل الطلبة للتميّز في المستقبل.
أما رسالتها لطلابها، فبقيت واضحة وثابتة: التسامح ليس موقفاً عابراً، بل جزء أصيل من شخصية الإنسان الواعي.
في عالم أكثر تنوعاً وترابطاً، لا يكفي أن يمتلك الإنسان المعرفة، بل عليه أن يمتلك القدرة على احترام الآخر، وفهمه، والعمل معه بروح إيجابية. وفي بيئة تضم 44 جنسية، يتعلّم الطالب يومياً أن الاختلاف مصدر غنىً، لا سبباً للفرقة.

ويبدأ التسامح الحقيقي من التفاصيل الصغيرة: كلمة طيبة، موقف عادل، إصغاء صادق قبل الحكم.
وقد تجسدت هذه القيم في مشاركة الطلبة في نموذج الأمم المتحدة (MUN)، إذ قدّموا نموذجاً مشرفاً لقادة المستقبل، فناقشوا القضايا العالمية بروح واعية، وتحلّوا بالحوار الراقي والاحترام المتبادل.
وُلدت المدرسة عام 1971، في عام قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، فكانت منذ بدايتها جزءاً من نهضة وطنٍ آمن بأن التعليم هو حجر الأساس لبناء الإنسان.
وتولّت إدارتها أخوات راهبات عراقيات جمعن بين الرصانة الأكاديمية والتنشئة الإنسانية، فصنعن نموذجاً تربوياً متوازناً جمع بين العلم والقيم والخدمة المجتمعية.
واليوم، بعد أكثر من خمسة عقود، لايزال الخريجون يحافظون على ارتباطهم بمدرستهم، فيعود أبناؤهم إلى مقاعدها، ويشاركون في مناسباتها بروح الانتماء ذاتها، في مشهد يعكس عمق الأثر واستمراريته.
فالطالب قد يغادر الجدران… لكن المدرسة لا تغادر قلبه.
كما تتجلى القيم الإنسانية بأبهى صورها من خلال مبادرات تعزّز روح العائلة الواحدة. وهذه المبادرات ليست موسمية، بل امتداد طبيعي لرسالة بدأت منذ التأسيس: إن التعليم الحقيقي هو الذي يُخرّج إنساناً يقدّر الآخر، ويشعر بمسؤوليته حيال مجتمعه.
مدرسة الراشد الصالح تؤمن بأن التعليم رسالة قبل أن يكون منهجاً، وأن المدرسة بيت يصنع الإنسان قبل أن يصنع النجاح.
لقد تأسست على يد أخوات حملن رسالةً إنسانية خالصة لخدمة جميع فئات المجتمع من دون تمييز، فكانت منذ بدايتها مساحةً تحتضن الجميع، وتغرس فيهم قيم الاحترام والتسامح والكرامة الإنسانية.
ومع مرور السنوات، التقت هذه الرسالة مع رؤية دبي والإمارات في التعايش والسلام، لتبقى المدرسة نموذجاً حياً يربّي الإنسان قبل كل شيء… ويصنع المستقبل بروح التسامح.
