لا يُفهَم التعافي في معظم الاقتصادات بوصفه عملية سريعة أو متكررة، بل كمسار بطيء وغير متكافئ، كثيراً ما يتأخر عن لحظة الصدمة ويعتمد على تحسن الظروف الخارجية بقدر اعتماده على العوامل الداخلية. غير أن تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة تقدّم نموذجاً مختلفاً، إذ تبدو استعادة النشاط أقرب إلى خاصية بنيوية في الاقتصاد، لا مجرد مرحلة عابرة. في هذه الحالة، لا يعود السؤال: كيف تعافت الإمارات من صدمة معينة؟ بل: كيف استطاعت أن تطوّر قدرة متكررة على استعادة الزخم الاقتصادي في وقت قصير، ثم تحويل هذه الاستعادة إلى مسار نمو جديد؟
شكّلت جائحة كوفيد-19 الاختبار الأوضح لهذه القدرة. لقد انكمش ناتج الإمارات المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 5.8 في المئة في عام 2020، خلال واحدة من أشد الصدمات التي واجهها الاقتصاد العالمي الحديث. لكن هذا الانكماش لم يتحول إلى حالة ركود ممتدة، إذ عاد الاقتصاد إلى النمو بنسبة 3.9 في المئة في عام 2021، قبل أن يتسارع إلى نحو 7.6 في المئة في عام 2022. هذه الأرقام لا تعكس مجرد خروج من الأزمة، بل تشير إلى استعادة سريعة للزخم، أثبتت قدرة الاقتصاد على التعافي في وقت قصير. وانعكس هذا التعافي أيضاً في تحسن نشاط سوق العمل، مدعوماً بعودة القطاعات الخدمية وتوسعها.
الأهم من ذلك أن هذا التعافي لم يكن لحظياً. بعد تباطؤ بسيط في عام 2023، إذ سجل النمو نحو 3.0-3.5 في المئة، عاد الاقتصاد إلى التسارع في عام 2024 بنحو 3.9 في المئة، مع توقع صندوق النقد الدولي أن يكون النمو بلغ نحو 4.8 في المئة في عام 2025 وأن يبلغ 5.0 في المئة في عام 2026. هذا المسار يكشف أن الانتعاش لم يكن ارتداداً مؤقتاً، بل جزءاً من نمط أوسع يسمح للاقتصاد بالحفاظ على ديناميكيته على الرغم من تباطؤ الاقتصاد العالمي وتقلب أسعار الطاقة. كذلك تزامنت استعادة النشاط هذه مع مستويات تضخم معتدلة نسبياً مقارنة بالعديد من الاقتصادات العالمية، ما عزّز الاستقرار الكلي.
إلى جانب ذلك، تُظهِر الإمارات درجة عالية من المرونة المؤسسية، من خلال اعتماد إصلاحات تنظيمية سمحت بتحويل لحظة ما بعد الجائحة إلى فرصة. لقد جرى توسيع نظام الإقامة الذهبية، وتسهيل أنماط العمل المرن والعمل عن بُعْد، بما ساهم في تعزيز جاذبية الدولة للكفاءات والشركات، ورسّخ مكانتها كمركز إقليمي للأعمال. بهذا المعنى، لم يكن التعافي مجرد استعادة لما فُقِد، بل إعادة تشكيل لبيئة الأعمال بطريقة تدعم النمو في المدى اللاحق.
لا يقتصر هذا النمط على صدمة كوفيد-19. يُبدي الاقتصاد الإماراتي قدرة مماثلة على التكيّف مع تقلبات أسعار النفط، والتباطؤ في التجارة العالمية، والتوترات الجيوسياسية. يشير صندوق النقد إلى أن النمو في الإمارات يظل مدعوماً بقطاعات مثل السياحة والخدمات المالية والاستثمار، على الرغم من أي تحديات. وهذا ما يعزّز فكرة أن استعادة النشاط لم تعد استثناءً، بل أصبحت سلوكاً متكرراً في الاقتصاد.
إذا نظرنا حول العالم، قد لا يخلو هذا النموذج من قيود. فالانفتاح الذي يمنح أي اقتصاد قوته يجعله أيضاً أكثر عرضة إلى التقلبات الخارجية، سواء في التجارة أو السفر أو تدفقات الاستثمار. غير أن هذه المخاطر تمثّل في الإمارات الحافز الأكبر للبنية نفسها الذي يتيح التعافي السريع، ذلك أن إدارة التوازن أمام التحديات تظل جزءاً أساسياً من استدامة النمو.
في المحصلة، لا يُفهَم الانتعاش الاقتصادي في الإمارات بوصفه عودة إلى التوازن، بل كقدرة مؤسسية واقتصادية على استعادة التدفقات والزخم في وقت قصير، ثم تحويل هذه الاستعادة إلى مسار نمو جديد. بهذا المعنى، لا يكون التعافي مرحلة عابرة في دورة الاقتصاد، بل خاصية من خصائصه، تعكس بنية قادرة على التكيّف مع الصدمات، لا مجرد الاستجابة لها.

