لم يكن البحر في حياة الإماراتيين مجرّد مساحة زرقاء مفتوحة على الأفق، بل ذاكرة جماعية تشكّلت على إيقاع المدّ والجزر. منه خرج الرزق، وإليه عادت الحكايات، وعلى شواطئه كُتبت أولى فصول الهوية الإماراتية، حين كان الغوص بحثاً عن اللؤلؤ فعلاً يومياً يشبه الصلاة: محفوفاً بالمخاطر، مشبعاً بالأمل، ومربوطاً بإيمان عميق بأن في الأعماق ما يستحق المغامرة.
في عمق التراث الشعبي الإماراتي، تتردّد أساطير الحوريات اللواتي يظهرن للغواصين بأصواتٍ عذبة، يغرّدن للحظة ثم يختفين في العتمة المائية، تاركات خلفهن رهبةً ممزوجةً بالدهشة. وتروي الحكايات أن صياداً هام عشقاً بلؤلؤة بحرية، قيل إنها في الأصل فتاة من الجن، فتحوّل الغوص من مهنة قاسية إلى رحلة عشق، لا تخلو من الخطر، لكنها تفتح باباً على عالمٍ من الأسرار والكنوز. هكذا، امتزج الواقع بالأسطورة، وصار البحر مسرحاً للرزق والخيال معاً.
الغوص… حياة كاملة
يعود تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الإمارات إلى أكثر من سبعة آلاف عام، حين بدأ الإنسان يجمع المحار من المياه الضحلة. ومع مرور الزمن، تطورت هذه الحرفة لتبلغ ذروتها في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث ازدهرت تجارة اللؤلؤ وأصبحت العمود الفقري للاقتصاد المحلي. على متن سفن الغوص، كان لكل فرد دوره: الغوّاص يواجه الأعماق بأنفاسٍ قصيرة وقلبٍ شجاع، و"السيب" يمسك بالحبل لينقذه من قاع البحر، والنهّام يرفع المعنويات بأغانيه التي تشبه الدعاء، فيما يتقاسم الآخرون تفاصيل الرحلة وأعباءها.
وقبل انطلاق موسم "الغوص الكبير"، الممتد من حزيران/يونيو حتى أيلول/سبتمبر، كانت الشواطئ تشهد طقوس وداعٍ مؤثرة، تختلط فيها الزغاريد بالدعوات، والفرح بالخشية. كانت تلك الطقوس إعلاناً جماعياً عن بداية موسمٍ قاسٍ، يعيد كل عام اختبار علاقة الإنسان بالبحر.
مدن وذاكرة
تحمل مدن الإمارات الساحلية ذاكرةً خاصة مع اللؤلؤ، وتُعدّ أم القيوين من أقدم مراكز صيده، حيث تكدّست السفن وتوافدت الأطقم من مختلف الإمارات، محمّلةً بأحلام الغواصين وأهازيجهم. ومن هذه المرافئ، انطلقت طرق التجارة، فانتقل اللؤلؤ من المحار إلى الأسواق، ومن الخليج إلى العالم، حتى غدا "ذهب البحر" الذي صنع سمعة المنطقة وربطها بالآفاق البعيدة.
ومع التحولات الاقتصادية وظهور اللؤلؤ المستزرع، تراجع الاعتماد على الغوص التقليدي، لكن البحر لم يغادر الوعي الإماراتي. بقي حاضراً في الأمثال الشعبية والحكايات العائلية، وفي القيم التي أورثها: الصبر، الشجاعة، والقدرة على مواجهة المجهول. ومن خلال زراعة اللؤلؤ المستنبت، وجدت الإمارات سبيلاً للجمع بين حماية التراث وتطويره، ليبقى البحر معلماً للهوية لا مجرد ذكرى.
في هذا السياق، ترى أستاذة علم الاجتماع ورئيسة رواق الدكتورة موزة غباش أن الهوية الإماراتية "ليست ماضياً ساكناً ولا تقاليد جامدة، بل كائن حيّ يتنفس ويتطور ويتجدد من دون أن يفقد أصله". وتؤكد أن الحفاظ على الهوية لا يكون "بالتحنيط، بل بالتجدد الواعي"، وأن تجربة الإمارات في احتضان التنوع الثقافي لم تُضعف الجذور، بل جعلتها أكثر وضوحاً وصلابة.
وتشير غباش إلى أن الإنسان الإماراتي، رغم الانفتاح الواسع، حافظ على سماته الأساسية: الكرم، والتسامح، والانتماء، مستنداً إلى رؤية قيادية آمنت منذ البداية بأن الانفتاح لا يعني الذوبان. فالبحر واللؤلؤ، في هذا المعنى، ليسا مجرد تراث اقتصادي، بل ذاكرة أخلاقية وإنسانية شكّلت الوعي الجمعي.
واليوم، لم يعد البحر الإماراتي مجرد مصدر رزق أو فضاء أسطوري، بل شاهد على تحولات حضارية لافتة. الشواطئ التي كانت مسرحاً لمغامرات الغواصين تحوّلت إلى منتجعات ومرافئ سياحية عالمية، من أم القيوين إلى رأس الخيمة والفجيرة، من دون أن تفقد سحرها القديم. هنا، يمشي الزائر على رمالٍ شهدت صمت الغواصين قبل القفز، ويستمع إلى أمواجٍ لا تزال تحمل صدى أغاني النهّامين.
جسر مستمر
وتظل رحلة اللؤلؤ، من الغوص اليدوي إلى الاستزراع العلمي، دليلاً إلى قدرة الإماراتيين على الموازنة بين التقاليد والحداثة. البحر، بمدّه وجزره، لم يعد فقط صفحة من الماضي، بل غدا جسراً مفتوحاً بين الأمس والغد، بين أسطورة الحورية وعصر السياحة، وبين لؤلؤٍ استُخرج بالجهد والخطر، وهويةٍ تُعاد صياغتها كل يوم بثقة ووعي.



