يأتي اختيار متنزه مليحة الوطني ضمن القائمة النهائية للمنافسة على لقب "أفضل متنزه وطني في الشرق الأوسط لعام 2026" بمثابة تتويج لموقعٍ يروي أكثر من 210 آلاف عام من تاريخ الإنسان. ففي هذه البقعة من صحراء الشارقة، حيث ترك الإنسان الأول آثاره، ولا تزال المقابر والحصون القديمة شاهدة على حضارات متعاقبة، يلتقي الإرث الإنساني العريق مع رؤية حديثة جعلت من مليحة واحدة من أبرز الوجهات التراثية والبيئية في الشرق الأوسط.

متنزه مليحة
ويخوض المتنزه المنافسة إلى جانب أربعة متنزهات وطنية فقط من مختلف أنحاء الشرق الأوسط، في حين يمثل دولة الإمارات وحدها في هذه الفئة. ويستمر التصويت حتى 31 تموز/يوليو الجاري، وسط آمال بأن يترجم هذا الترشيح إلى تتويج يعزز حضور الشارقة والإمارات على خريطة السياحة التراثية والبيئية عالمياً. وتُعد جوائز السفر العالمية (World Travel Awards)، التي تُنظم هذا العام في دورتها الثالثة والثلاثين، من أبرز الجوائز الدولية في قطاع السفر والسياحة، إذ تكرّم سنوياً الوجهات والمنشآت الأكثر تميزاً على مستوى العالم.
ذاكرة الصحراء
يقع متنزه مليحة الوطني في قلب المنطقة الأساسية لمشهد الفاية، الذي أُدرج أخيراً على قائمة التراث العالمي لليونسكو، في اعتراف دولي بقيمة المنطقة بوصفها أحد أهم المواقع الأثرية في شبه الجزيرة العربية.
لكن خصوصية مليحة لا تكمن في كونها موقعاً أثرياً فحسب، بل في أنها تتيح للزائر أن يعيش التاريخ بدلاً من أن يقرأه. فالرحلة داخل المتنزه تشبه عبوراً بين خمس محطات زمنية متعاقبة، تبدأ من بدايات الاستيطان البشري، مروراً بالعصر الحجري الحديث والعصر البرونزي، وصولاً إلى عصور ما قبل الإسلام.

مركز مليحة للآثار
وفي كل محطة، تكشف الأرض عن قصة مختلفة؛ من أدوات حجرية استخدمها الإنسان الأول، إلى مستوطنات قديمة، ومقابر جماعية، وحصون بقيت شاهدة على طرق التجارة التي عبرت هذه المنطقة منذ آلاف السنين.
أكثر من 210 آلاف عام
تشير الاكتشافات الأثرية في مليحة إلى أن المنطقة كانت ممراً رئيسياً للبشر الأوائل خلال هجرتهم إلى خارج إفريقيا، ما يجعلها من أهم المواقع التي تساعد العلماء على فهم بدايات انتشار الإنسان في العالم.
وتكشف مواقع العصر الحجري الحديث التي يعود تاريخها إلى نحو سبعة آلاف عام، عن تفاصيل الحياة اليومية للمجتمعات القديمة، من تربية الحيوانات إلى صناعة الحلي، فيما عُثر على قلادة نادرة مصنوعة من عاج بقرة البحر (الأطوم)، في دليل على تطور الصناعات والحرف آنذاك.

مليحة... حكاية تبقى للتاريخ
أما مقبرة أم النار، التي شُيدت قبل نحو أربعة آلاف عام، فتقدم دليلاً آخر على أن مليحة لم تكن معزولة عن العالم، إذ ضمت مكتشفات جاءت من بلاد الرافدين ووادي السند، ما يؤكد أن المنطقة كانت محطة رئيسية على طرق التجارة القديمة التي ربطت حضارات الشرق.
ولا تكتمل الحكاية من دون حصن مليحة التاريخي، الذي يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، ويُعد من أقدم الحصون المعروفة في دولة الإمارات، حيث لعب دوراً في حماية القوافل التجارية وتأمين طرق العبور عبر الصحراء.
صناعة المستقبل
وراء هذا الترشيح الدولي قصة استثمار طويل في تحويل الموقع الأثري إلى وجهة سياحية متكاملة. فقد طورت هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) المتنزه ليجمع بين البحث العلمي، والمحافظة على الآثار، والسياحة البيئية، والتعليم، والمغامرات.
ويضم المتنزه مركز مليحة للآثار، الذي يقدم معارض تفاعلية وسرداً رقمياً لتاريخ المنطقة، إلى جانب مجموعة واسعة من التجارب، تشمل الجولات الصحراوية، والتخييم، ومراقبة النجوم، والطيران المظلي، والأنشطة التعليمية التي تربط الزوار بتاريخ المكان وطبيعته.

مليحة... نموذج للتحولات العالمية في قطاع السياحة
ويواكب هذا النموذج التحولات العالمية في قطاع السياحة، حيث تتجه اهتمامات المسافرين بشكل متزايد نحو الوجهات التي تجمع بين الأصالة، والحفاظ على البيئة، والتجارب الثقافية الغنية، وهو ما جعل مليحة واحدة من أبرز الوجهات السياحية في الشارقة والإمارات خلال السنوات الأخيرة.
تجربة معاصرة
لا ينظر متنزه مليحة الوطني إلى الماضي باعتباره إرثاً محفوظاً خلف واجهات العرض، بل يقدمه بوصفه تجربة تُعاش. وبين الرمال التي احتفظت بأولى خطوات الإنسان، والسماء التي لا تزال تفتح ليلها لمراقبي النجوم، يكتشف الزائر أن التاريخ هنا ليس ذكرى بعيدة، بل جزء من الحاضر.
ولعل هذا الترشيح ليس سوى فصل جديد في حكاية مكان ما زالت رماله تخبئ أسرار الماضي، فيما يواصل رسم مستقبله على خريطة السياحة العالمية، مؤكداً أن صون التراث لا يحفظ الذاكرة فحسب، بل يصنع أيضاً وجهات قادرة على المنافسة عالمياً.



