
إيلا في غرفة أحد المرضى. (تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي)
في دولة جعلت من الابتكار جزءاً من رؤيتها للمستقبل، وصلت إلى أبوظبي عالِمة
جديدة لا تشبه العلماء التقليديين. اسمها "آيلا"، ولا ترتدي معطفاً أبيض،
ولا تمضي ساعاتها في المختبرات، لكنها قادرة على قراءة ملايين البيانات الطبية وربطها
ببعضها البعض بحثاً عن إجابات قد تساعد طبيباً على إنقاذ حياة مريض أو باحثاً على الاقتراب
من اكتشاف جديد.
هذه ليست حبكة من رواية خيال علمي، بل واقع بدأ يتشكل في أبوظبي مع إطلاق مستشفى
كليفلاند كلينك أبوظبي، بالتعاون مع شركة "أوكين" الفرنسية المتخصصة في الذكاء
الاصطناعي الطبي، منصة "آيلا"، التي توصف بأنها أول عالِم ذكاء اصطناعي سريري
متقدم في العالم.
ورغم أن الحدث يبدو للوهلة الأولى تقنياً بحتاً، فإن ما يقف خلفه يتجاوز حدود
التكنولوجيا إلى سؤال أعمق يتعلق بمستقبل الطب نفسه: ماذا يحدث عندما تصبح المعرفة
الطبية أكبر من قدرة البشر على استيعابها؟
في العقود الماضية، كان التحدي الأساسي أمام الأطباء يتمثل في الحصول على المعلومات.
أما اليوم، فقد أصبح التحدي معاكساً تماماً. فالمستشفيات الحديثة تنتج كميات هائلة
من البيانات يومياً: سجلات صحية إلكترونية، وصور أشعة، وتقارير مختبرية، وملاحظات سريرية،
ونتائج أبحاث، ومؤشرات حيوية متغيرة باستمرار. وتكمن المشكلة في أن هذه البيانات غالباً
ما تكون موزعة في أنظمة مختلفة، ما يجعل تحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام عملية معقدة
تستغرق وقتاً وجهداً كبيرين.
هنا تحديداً تظهر أهمية "آيلا". فالمنصة الجديدة لا تعمل كمحرك بحث
طبي فحسب، بل كعالِم قادر على الربط بين المعلومات وتحليلها واستخلاص الأنماط والعلاقات
الخفية بينها. يستطيع الطبيب أن يطرح سؤالاً بلغة طبيعية، لتحلل المنصة آلاف الوثائق
والبيانات المرتبطة بالحالة وتقدم خلاصة معرفية دقيقة خلال وقت قصير، في عملية كانت
قد تتطلب أياماً أو أسابيع من البحث اليدوي.
ويكمن جوهر الابتكار في أن "آيلا" لا تعتمد على قواعد بيانات نظرية
أو معلومات عامة فقط، بل تتعلم من البيانات السريرية الحقيقية للمرضى. أي أنها تستند
إلى ما يحدث فعلاً داخل المستشفى، بما يسمح بتحويل الخبرة الطبية المتراكمة إلى معرفة
قابلة للاستفادة منها في الحالات اللاحقة.
وتبدأ المرحلة الأولى من المشروع من أحد أكثر الأمراض انتشاراً بين الرجال حول
العالم، وهو سرطان البروستاتا. وستعمل المنصة على دمج مصادر متعددة للبيانات المرتبطة
بهذا المرض، تشمل السجلات الصحية الإلكترونية، وتقارير علم الأمراض، والتصوير الطبي،
وملاحظات الأطباء. والهدف ليس فقط تحسين التشخيص أو العلاج، بل بناء طبقة معرفية موحدة
تساعد الأطباء والباحثين على فهم المرض بصورة أكثر شمولاً ودقة.
لكن ما يجعل هذه الخطوة أكثر أهمية هو أنها تمثل جزءاً من تحوّل أوسع تشهده
الرعاية الصحية عالمياً، يتمثل في الانتقال من الطب التقليدي إلى الطب الدقيق. ففي
الماضي، كان المرضى الذين يعانون الحالة نفسها يتلقون غالباً العلاج ذاته. أما اليوم،
فالعلم يتجه نحو تصميم علاجات تناسب الخصائص البيولوجية والجينية لكل مريض على حدة.
ومن هنا تأتي أهمية قدرة "آيلا" المستقبلية على التعامل مع البيانات
الجينومية وبيانات "الأوميكس" المتعددة، وهي البيانات التي تكشف تفاصيل دقيقة
عن الجينات والبروتينات والعمليات البيولوجية داخل الجسم. ومع دمج هذه المعطيات في
عملية اتخاذ القرار، يصبح بالإمكان تطوير علاجات أكثر تخصيصاً ورفع فرص نجاحها وتحسين
النتائج الصحية على المدى الطويل.
ولا يمكن فصل هذا المشروع عن المشهد الأوسع الذي ترسمه الإمارات في مجال الذكاء
الاصطناعي. فمنذ سنوات، تتبنى الدولة استراتيجية تقوم على توظيف التقنيات المتقدمة
في القطاعات الحيوية، من التعليم والطاقة إلى الفضاء والرعاية الصحية. وفي هذا السياق،
تبدو المستشفيات ومراكز الأبحاث الإماراتية وكأنها تتحول تدريجياً إلى مختبرات حقيقية
لتجربة النماذج الجديدة التي قد تعيد تعريف شكل الخدمات الطبية في المستقبل.
وربما تكمن جاذبية "آيلا" في أنها تقدم نموذجاً مختلفاً للعلاقة بين
الإنسان والآلة. فهي لا تهدف إلى استبدال الطبيب أو اتخاذ القرار نيابة عنه، بل إلى
منحه قدرة أكبر على فهم المعلومات المحيطة به. فالطب سيظل في جوهره مهنة إنسانية تقوم
على الخبرة والتعاطف والحكم السريري، لكن الأدوات التي تدعمه تتغير بسرعة غير مسبوقة.
وفي عالم تتضاعف فيه المعرفة الطبية بوتيرة هائلة، قد يصبح امتلاك القدرة على
قراءة البيانات وفهمها بالسرعة الكافية تحدياً لا يقل أهمية عن امتلاك الدواء نفسه.
وهنا تحديداً تدخل "آيلا" إلى المشهد، ليس كبرنامج حاسوبي جديد، بل كرمز
لمرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكاً في رحلة البحث عن صحة أفضل وحياة أطول.



