قبل أكثر من قرن، وقف رجل يحمل كاميرته أمام قصر الحصن. لم يكن يعرف أن الصورة التي التقطها عام 1901 ستبقى بعد أكثر من مئة عام شاهدة على مدينة بأكملها. في تلك اللحظة لم تكن أبوظبي مدينة الأبراج قد "رُسمت" بعد. كان هناك حصن أبيض يقف في مواجهة البحر والصحراء، وعدسة التقطت مشهداً بدا عادياً في زمنه، لكنه تحوّل مع مرور الوقت إلى جزء من ذاكرة المكان.

شعار المركز
ربما لهذا السبب تبدو مبادرة "الصورة شاهد" التي أطلقها مركز أبوظبي للغة العربية أكثر من مشروع فوتوغرافي. إنها محاولة للعودة إلى تلك اللحظة الأولى، إلى السؤال الذي يرافق كل صورة: ماذا يبقى من الزمن عندما يمر؟
فالصورة ليست مجرد انعكاس للواقع، بل وثيقة إنسانية كاملة. صورة لطفل في فناء منزل قديم، أو لصياد عند الشاطئ، أو لامرأة تعبر سوقاً شعبية، قد تحمل من تفاصيل الحياة اليومية ما تعجز عنه صفحات طويلة من الوصف. إنها تحفظ ما يتسلل عادة من بين أصابع التاريخ: الملامح الصغيرة، والإيماءات العابرة، والأشياء التي تبدو عادية قبل أن تصبح جزءاً من الماضي.
وفي دولة مثل الإمارات، حيث حدث التحول العمراني والاجتماعي بوتيرة استثنائية خلال عقود قليلة، تكتسب الصورة أهمية مضاعفة. فالكثير مما نراه اليوم من طرق ومدن ومؤسسات ومشاريع كان قبل سنوات قليلة مجرد ملامح أولى في طور التشكّل. لذلك لا تبدو الصورة هنا مجرد وسيلة للتوثيق، بل جسراً يصل بين أجيال لم تعش التجربة نفسها، لكنها تتشارك الذاكرة ذاتها.
ولعل اختيار قصر الحصن محوراً للدورة الأولى من المبادرة يحمل دلالة خاصة. فهذا المعلم الذي ظل شاهداً على تحولات أبوظبي منذ بداياتها الحديثة، لم يُوثَّق بالحجر وحده، بل بالصور أيضاً. ومع كل صورة جديدة التُقطت له عبر العقود، كانت المدينة تضيف طبقة أخرى إلى سرديتها البصرية. لم يعد القصر مجرد مبنى تاريخي، بل نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، وبين ما كان وما أصبح.

قصر الحصن
ومن الجميل أن المبادرة لا تكتفي بجمع الصور أو عرضها، بل تسعى إلى تعليم الأجيال الجديدة كيفية قراءتها. فالصورة، مثل النص، تحتاج إلى من يفكك رموزها ويقرأ ما وراءها. ومن هنا تأتي الندوات والحوارات والمسابقات التي ترافق المشروع، لتعيد الاعتبار إلى الصورة بوصفها أداة معرفة لا مجرد مادة بصرية للاستهلاك السريع.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي والواقع الرقمي، تبدو هذه العودة إلى الصورة بوصفها وثيقة إنسانية أمراً ضرورياً. فكلما ازدادت الصور المصنّعة، ازدادت قيمة الصورة التي تحمل أثراً حقيقياً للحياة. صورة التقطها شخص في لحظة صدق، فحفظت شيئاً من الزمن قبل أن يمضي.
لهذا لا تبدو "الصورة شاهد" مبادرة عن التصوير الفوتوغرافي فحسب، بل عن الذاكرة أيضاً. عن تلك القدرة العجيبة التي تمتلكها الصورة على إيقاف الزمن للحظة، ثم إعادته إلينا بعد سنوات طويلة. وعن مدينة قررت أن تحفظ حكايتها لا في الكتب وحدها، بل في الضوء أيضاً.



