في كل صيف، تتكرر الصورة نفسها في خورفكان. أشجار مثقلة بثمار المانغو، ومزارعون ينقلون محصولهم إلى الأسواق والمهرجانات، وزوار يبحثون عن أصناف تحمل أسماء قد لا يعرفونها من قبل. أكثر من 150 صنفاً من المانغو المحلية باتت اليوم تعرض في موسم واحد، وهو رقم يثير سؤالاً يتجاوز المهرجان نفسه: لماذا تنجح خورفكان في زراعة هذا العدد الكبير من الأصناف؟

مهرجان المانغو
الإجابة تبدأ من الجغرافيا. فعلى خلاف معظم مناطق الإمارات ذات الطبيعة الصحراوية، تقع خورفكان على الساحل الشرقي، وتحاصرها جبال الحجر من الغرب ويطل عليها بحر عُمان من الشرق. هذه المعادلة تمنح المنطقة مناخاً أكثر اعتدالاً ورطوبة خلال أشهر الصيف، مع تربة جبلية خصبة وتدفق مستمر للمياه الجوفية والأفلاج والوديان، وهي عوامل تخلق بيئة مناسبة للأشجار الاستوائية وشبه الاستوائية، وفي مقدمتها المانغو.
ولا يعود نجاح المزارعين إلى الطبيعة وحدها. فخلال السنوات الماضية، شهد القطاع الزراعي في المنطقة الشرقية دعماً متواصلاً عبر برامج الإرشاد الزراعي، وتوفير الشتلات المحسنة، وتشجيع المزارعين على إدخال أصناف جديدة أثبتت قدرتها على التكيف مع البيئة المحلية. ونتيجة لذلك، لم تعد المزارع تكتفي بزراعة الأصناف التقليدية، بل أصبحت تضم أنواعاً متعددة تختلف في اللون والطعم والحجم وموعد النضج، ما يطيل موسم الإنتاج ويزيد من الخيارات أمام المستهلكين.
وتشير بيانات مهرجان خورفكان للمانغو إلى مشاركة 55 مزارعاً هذا العام، مع عرض أكثر من 150 صنفاً من المانغو، إلى جانب منتجات زراعية محلية أخرى، كما ارتفع عدد المشاركين بنحو 40% مقارنة بالعام الماضي، في مؤشر يعكس اتساع رقعة زراعة المانغو وزيادة اهتمام المزارعين بهذا المحصول.

أصناف محلية وأخرى عالمية في مزارع خورفكان
وتضم مزارع خورفكان أصنافاً محلية وأخرى عالمية، من بينها "السكري"، و"التومي"، و"الكيت"، و"النعومي"، و"الفونس"، وغيرها من الأنواع التي تختلف في مستويات الحلاوة، وحجم الثمرة، وموعد الجنى. هذا التنوع يمنح المزارعين ميزة اقتصادية، إذ لا ينضج المحصول دفعة واحدة، بل يمتد الموسم على أسابيع، ما يضمن استمرارية التسويق وتقليل الفاقد.
ولم تعد المانغو مجرد محصول موسمي، بل أصبحت جزءاً من المشهد الاقتصادي والسياحي في المنطقة الشرقية. فالمزارع تفتح أبوابها للزوار خلال الموسم، بينما تتحول المهرجانات إلى منصات لتسويق الإنتاج المحلي، وتشجيع الأسر المنتجة على تقديم منتجات مشتقة من المانغو، مثل العصائر والمربيات والحلويات.

المانغو جزء من المشهد الاقتصادي
ويقدر خبراء الزراعة أن شجرة المانغو الواحدة يمكن أن تعيش لعقود طويلة إذا تلقت الرعاية المناسبة، فيما تبدأ بالإنتاج الاقتصادي عادة بعد ثلاث إلى خمس سنوات من زراعتها، وهو ما يجعلها استثماراً طويل الأمد للمزارعين.
ومع تزايد الاهتمام بالأمن الغذائي والزراعة المحلية، تبدو خورفكان نموذجاً مختلفاً في الإمارات؛ فنجاحها لم يكن وليد موسم واحد أو مهرجان سنوي، بل نتيجة تلاقي الطبيعة مع الاستثمار في المعرفة الزراعية والدعم الحكومي. لذلك، لم يعد السؤال اليوم كيف تنجح خورفكان في زراعة هذا العدد الكبير من أصناف المانغو، بل كيف يمكن أن تتحول هذه التجربة إلى نموذج يعزز تنوع الإنتاج الزراعي المحلي في مناطق أخرى من الدولة.



