
مشهد من رأس الخيمة.
راس الخيمة – صبا سكرية
في سباق التحول الرقمي، لم تعد هوية
الشركات مجرد وثيقة ترخيص محفوظة في ملف "بي دي أف" أو سجل إداري مغلق، إنما
صارت جزءاً أساسياً من البنية التحتية للاقتصاد الجديد. ومن رأس الخيمة، تطلق "مدينة
الابتكار" أول هوية رقمية مؤسسية تعتمد على تقنية البلوكتشين، في خطوة تهدف
إلى تحويل الترخيص التجاري من مستند جامد إلى أصل رقمي حيّ، قابل للتحقق، ومهيأ
للتفاعل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي والوكلاء الأذكياء.
في هذا الحوار، يتحدث بول دواليبي،
المدير التنفيذي في مدينة "الابتكار"، لـ "النهار" عن الأهداف
الاستراتيجية لهذه المبادرة، ودورها في تعزيز الشفافية والثقة، وجذب المستثمرين
والشركات الناشئة، ووضع رأس الخيمة في موقع متقدم ضمن اقتصاد رقمي يتجه بسرعة نحو
الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
في ما يأتي نص الحوار كاملاً:
ما الهدف الاستراتيجي من إطلاق
أول هوية رقمية مؤسسية تعتمد على البلوكتشين في رأس الخيمة؟
لعقود طويلة، بقيت هوية الشركات
محصورة في الأوراق وملفات "بي دي أف"؛ بطيئة، محدودة الشفافية، ومصممة
لعالم لم يعد قائماً. نحن اليوم نضع حداً لهذا النموذج. ما نقدمه اليوم ليس تحديثاً
تقنياً، إنما هو إعادة هيكلة جذرية لطريقة وجود الشركات وإثبات هويتها وتفاعلها مع
العالم في القرن الحادي والعشرين. فكل شركة مسجلة في مدينة الابتكار تمتلك اليوم هوية
رقمية حيّة وقابلة للتحقق، ترافقها عبر الحدود والمنصات، وتندمج مباشرة في عصر
الوكلاء الأذكياء.
التزمت الإمارات تحويل 50% من عمليات
الحكومة الاتحادية إلى الذكاء الاصطناعي الوكيل. ولتحقيق ذلك، لا بد من أن تمتلك
كل شركة هوية موثوقة ومسجلة على السلسلة، يمكن التحقق منها فوراً وبأعلى درجات
الأمان.
كيف تترجم هذه الخطوة رؤية مدينة
الابتكار في بناء مدينة رقمية قائمة على الذكاء الاصطناعي؟
لم تُبنَ مدينة الابتكار لتلحق
بالتوجهات، بل لتصنعها. التوجه الإماراتي واضح: يجب أن يكون الوكلاء الأذكياء
قادرين على معالجة التراخيص والتصاريح وعمليات الامتثال والتفاعلات العابرة للحدود
بسرعة الآلة. وهذا يتطلب بنية تحتية لا تستطيع الأنظمة التقليدية توفيرها.
عملياً، تحصل كل شركة تُسجّل اليوم
في مدينة الابتكار على هوية رقمية سيادية، حيّة، وقابلة للتحقق ضمن قاعدة بيانات OPN. هذه الهوية ليست ملف "بي دي أف"،
إنما هي أصل رقمي ديناميكي مسجّل بصورة دائمة، قابل للتدقيق العلني، وتستطيع أنظمة
الذكاء الاصطناعي قراءته والتعامل معه بسرعة فائقة. وهذا هو الأساس الحقيقي لأي
مدينة رقمية ذكية.

بول دواليبي، المدير التنفيذي في مدينة "الابتكار"
ما يميز هذه الهوية الرقمية من الأنظمة التقليدية لإدارة الهويات المؤسسية؟
كيف تضمن تقنية البلوكتشين مستوى
أعلى من الأمان والشفافية في إدارة الهويات؟
الجواب يكمن في البنية التحتية
نفسها. فالهوية الرقمية مبنية على شبكة من الطبقة الأولى عالية الأداء، متوافقة مع
EVM، وبقدرة تتجاوز 10 آلاف
معاملة في الثانية، مع إتمام شبه فوري للعمليات. وكل تفاعل محمي تشفيرياً، ومسجّل
بصورة دائمة، وقابل للتدقيق العلني. لا تعديلات خفية، ولا وسطاء مبهمون، ولا نقاط
فشل منفردة. ما بنيناه مع IOPN
وسلسلة OPN هو بنية تحتية سيادية،
قابلة للتشغيل المتبادل، متوافقة مع المتطلبات التنظيمية، ومصممة للتوسع عبر
الولايات القضائية والمؤسسات. وكي يعمل الوكلاء الأذكياء بأمان وموثوقية على نطاق
حكومي، يحتاجون إلى بنية تحتية يمكن الوثوق بها بالكامل. وهذا بالضبط ما أوجدناه.
كيف ستنعكس هذه الخطوة على جذب
المستثمرين والشركات الناشئة إلى رأس الخيمة؟
الأمر بسيط: الشركات التي تحجز
مكانها في هذه السلسلة ستكون في موقع متقدم في اقتصاد الغد، بينما يجد غيرها نفسه
مضطراً لتفسير سبب استمرار اعتماده على أدوات الأمس. المستثمرون والمؤسسون يبحثون
عن السرعة والصدقية وسهولة الوصول، وما بنيناه يوفر هذه العناصر الثلاثة معاً:
تحقق فوري لا يحتاج إلى ثقة مسبقة، وتكامل سلس مع الشركاء العالميين، واستفادة
تفضيلية من خدمات حكومية مدعومة بالذكاء الاصطناعي. رأس الخيمة لا تلحق بالمستقبل،
بل تسهم في كتابته. وأكثر المؤسسين طموحاً في العالم يدركون ذلك اليوم.
كيف تعاملتم مع تحدي الثقة في
تقنيات البلوكتشين لدى المستخدمين؟
الثقة لا تُبنى بالتسويق، بل
بالنتائج. نحن لم نطلق ورقة بيضاء أو خارطة طريق نظرية، بل أطلقنا نظاماً فعلياً
يعمل على السلسلة، ومتاحاً لكل شركة تُسجّل في مدينة الابتكار اليوم. إنه نظام
قابل للتحقق التشفيري، فوري التدقيق، ومبني على بنية تحتية راسخة. صُمم النظام
ليجعل الثقة أمراً بديهياً لا يحتاج إلى إقناع؛ فلا إجراءات يدوية بطيئة تفتح
الباب للشك، ولا نقاط فشل منفردة. حين يكون السجل مفتوحاً، والبنية التحتية
سيادية، لا تطلب من الناس أن يثقوا بك، بل تمنحهم نظاماً يستطيعون التحقق منه
بأنفسهم. وحين تكون هوية الشركة شفافة وقابلة للتحقق من أي جهة، في أي مكان، وخلال
ثوانٍ معدودة، تصبح الثقة نتيجة طبيعية. هذا ما بنيناه، ولهذا السبب نرى أن مدينة
الابتكار تمثل واحدة من أكثر المناطق الحرة استشرافاً للمستقبل في الإمارات.



