قد تبدو جائزة تُكرّم مباني شُيّدت بالطين والتراب حدثاً يهم المعماريين وحدهم، لكن "جائزة تيرا للمشاهد الطبيعية والعمارة الترابية" تحمل دلالة أوسع بكثير من مجرد منافسة بين مشاريع تصميم. فهي تعكس تحولاً عالمياً في النظرة إلى العمارة، حيث لم يعد الابتكار يقاس بارتفاع الأبراج أو تعقيد الهياكل، بل بقدرة المبنى على الانسجام مع بيئته، والاستفادة من موارده المحلية، وتقليل أثره على المناخ، والحفاظ في الوقت نفسه على هوية المكان.

مبان تحمل هوية المكان
ومع إعلان دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، بالتعاون مع المركز الدولي للعمارة الترابية (CRAterre) ، أسماء الفائزين بالدورة الأولى من الجائزة، تبرز الإمارات مجدداً على خريطة المبادرات الثقافية العالمية، ليس باعتبارها مستضيفة للحدث فحسب، بل شريكاً في إطلاق حوار دولي حول مستقبل العمارة الترابية، تمهيداً لاستضافة مؤتمر "تيرا 2027"، الذي يقام للمرة الأولى في المنطقة العربية.
ورغم أن الجائزة تبدو متخصصة في مجال معماري دقيق، فإنها تطرح سؤالاً يتجاوز الهندسة والتصميم: كيف يمكن للإنسان أن يبني مدنه من دون أن يفقد علاقته بالأرض التي يقف عليها؟ وكيف يمكن للمعرفة التي صنعت مساكن الحضارات الأولى أن تقدم حلولاً لتحديات القرن الحادي والعشرين؟
من ذاكرة الحضارات إلى عمارة المستقبل
قبل ظهور الإسمنت والحديد، كانت الأرض نفسها مادة البناء الأولى. فمن مدن بلاد الرافدين، إلى واحات الجزيرة العربية، مروراً بمدن اليمن التاريخية وقصور المغرب وقرى جبال الأطلس، وصولاً إلى مستوطنات أميركا الجنوبية، اعتمد الإنسان على الطين والتراب المشغول لبناء مساكنه وحصونه ومدنه. ولم يكن ذلك خياراً فرضته محدودية الإمكانات، بل استجابة ذكية للبيئة، فهذه المواد كانت الأكثر قدرة على مقاومة حرارة الصيف، وحفظ الدفء شتاءً، والتكيف مع المناخ المحلي.

مؤتمر يقام في مدينة العين للمرة الأولى
ومع الثورة الصناعية، تراجعت العمارة الترابية أمام مواد البناء الحديثة، غير أن التغيرات المناخية وما رافقها من دعوات إلى خفض الانبعاثات الكربونية أعادت الأنظار إليها من جديد. فالدراسات الحديثة تؤكد أن قطاع البناء من أكثر القطاعات استهلاكاً للطاقة وإنتاجاً للانبعاثات، فيما تتميز مواد البناء الترابية بانخفاض أثرها البيئي، واعتمادها على موارد محلية، وقدرتها الطبيعية على العزل الحراري، ما يقلل استهلاك الطاقة طوال عمر المبنى.
لهذا لم تعد العمارة الترابية مجرد إرث تاريخي أو أسلوب لترميم المباني القديمة، بل أصبحت اتجاهاً معاصراً تتبناه الجامعات ومراكز الأبحاث وكبرى مكاتب الهندسة المعمارية، التي ترى فيها نموذجاً يجمع بين الاستدامة والابتكار، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها.
ومن هذا التحول العالمي وُلدت "جائزة تيرا"، التي لا تبحث عن أكثر المباني فخامة أو تعقيداً، بل عن المشاريع التي تنجح في تحويل مواد الأرض إلى عمارة تحترم المشهد الطبيعي، وتعيد إحياء تقنيات البناء التقليدية، وتمنح المجتمعات المحلية دوراً أساسياً في التصميم والتنفيذ.
وقد استقطبت الدورة الأولى 73 مشروعاً من 27 دولة تمثل مختلف القارات، قبل أن تختار لجنة تحكيم دولية عشرين مشروعاً للقائمة المختصرة، موزعة على ثلاث فئات تعكس فلسفة الجائزة: الحوار مع المشاهد الثقافية القائمة، والاندماج مع الموقع الطبيعي، وإبراز الموارد المحلية والمعرفة التقليدية.
الإمارات... محطة عالمية للعمارة الترابية
لا يأتي اختيار أبوظبي لإطلاق هذه الجائزة واستضافة مؤتمر "تيرا 2027" من فراغ، بل ينسجم مع مسار طويل انتهجته الإمارات في حماية التراث المعماري، وإعادة الاعتبار للمباني التاريخية، وربطها بقضايا الاستدامة والتنمية الثقافية.
وسيُعقد المؤتمر في مدينة العين خلال أبريل 2027، ليكون أول نسخة تستضيفها المنطقة العربية، جامعاً خبراء العمارة والترميم والباحثين من مختلف أنحاء العالم لمناقشة مستقبل العمارة الترابية، وتبادل الخبرات في الحفاظ على هذا الإرث المعماري وتطويره. كما ستستضيف أبوظبي المشاريع الفائزة بالجائزة، لتتحول إلى منصة عالمية تستعرض أحدث التجارب التي تعيد قراءة تقنيات البناء التقليدية بلغة معمارية معاصرة.

فلسفة عمرانية كاملة
وتجسد المشاريع الفائزة هذا التنوع؛ فمن "مركز التراث الحي" في مدينة تيزنيت المغربية، إلى "لا كاسا دي لا روكاس" في الإكوادور، مروراً بـ"حديقة التعافي ومركز العلاج للنساء والأطفال" في إقليم كردستان العراق، وصولاً إلى مشاريع في فرنسا ونيبال ورواندا والهند، تتقاطع جميعها عند فكرة واحدة: أن العمارة المستدامة تبدأ من فهم المكان، لا من فرض نموذج واحد عليه.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لـ"جائزة تيرا". فهي لا تعيد الاعتبار إلى الطين بوصفه مادة بناء فحسب، بل تعيد الاعتبار إلى فلسفة عمرانية كاملة ترى أن المبنى الناجح هو الذي يحاور الطبيعة بدلاً من أن ينافسها، ويحافظ على الذاكرة من دون أن يقف عند حدودها، ويستفيد من خبرات الماضي ليبتكر حلولاً للمستقبل. وهكذا، يصبح التراب الذي شيّد أولى المدن في التاريخ، مادة تكتب فصلاً جديداً في عمارة العالم، فيما تؤكد الإمارات، من خلال هذه المبادرة، أن حماية التراث ليست حفظاً للماضي فحسب، بل استثماراً في مستقبل أكثر استدامة.



