
الغوص في الفجيرة.
تعرّفت إلى أحمد خلال فعالية عامة. كنا نتحدث عن شغف كلّ منا، قبل أن يخبرني أنه يقضي معظم عطلات نهاية الأسبوع في الغوص مع أصدقائه قبالة سواحل الفجيرة. توقعت أن يحدثني عن الأسماك أو الشعاب المرجانية أو متعة الغوص، لكنه قال شيئاً لم أسمعه من قبل: "نحن نزرع تحت الماء".
توقفت عند هذه الجملة طويلاً. الزراعة تحت البحر؟ كيف يمكن لشيء اعتدت رؤيته في حقولنا أن يحدث في قاع البحر؟
أثار الأمر فضولي فوراً، وقررت أن أرافقهم في الرحلة التالية لأرى بعيني كيف تبدو مزرعة لا ترى الشمس.
من بستان القرية... إلى قاع البحر
نشأت في قرية صغيرة، وكانت الزراعة جزءاً عادياً من يومنا. كان والدي وأخي يزرعان البستان بكل ما يمكن تخيله. أشجار وخضر ومواسم تتبدل أمام أعيننا. أحببت دائماً فكرة أن يكبر شيء لأنك اعتنيت به، وأن يتحول جهد صغير إلى حياة.
لهذا لم تكن الزراعة فكرة غريبة بالنسبة لي، لكن أن تكون تحت الماء... فذلك عالم مختلف تماماً.
ربما لهذا السبب شعرت أن عليّ أن أرى هذه التجربة بنفسي.
من يستيقظ أولاً... يغوص أولاً
في التاسع عشر من تموز\يوليو، انطلقت قبل شروق الشمس إلى ميناء دبا الفجيرة. كان لدى الغواصين شرطان قبل أن أرافقهم في هذه الرحلة: أن أصل باكراً، وأن أكون مستعدة لاحتمال الإصابة بدوار البحر. لم يفوتوا الفرصة لممازحتي، فسألوني أكثر من مرة إن كنت سأتمكن فعلاً من الاستيقاظ في هذا الوقت المبكر، ثم بدأوا يحذرونني من البحر أكثر من الطريق إليه. كنت أضحك وأؤكد لهم أن الأمر سيكون سهلاً، بينما كانوا يبتسمون بثقة من سبق له أن استقبل الكثير من المبتدئين على متن القارب.
غادرت قبل الفجر، وسلكت الطريق التي تعبر جبال خورفكان. كانت هادئة على نحو لا يحدث إلا في الساعات الأولى من الصباح؛ لا ضجيج، ولا ازدحام، فقط الجبال وضوء النهار الذي بدأ يتسلل ببطء.
وصلت إلى الميناء قبل معظم الغواصين. كانت الساعة لا تزال السابعة صباحاً، لكن حرارة الصيف ورطوبته كانتا قد سبقتا الجميع. وبعد إنهاء إجراءات خفر السواحل، انطلقنا بالقارب الصغير، أو كما يسميه الإماراتيون "الطراد".
ومع ابتعادنا عن الشاطئ، بدا أن هذه ليست مهمة تطوعية فحسب، بل عادة أسبوعية ينتظرها الجميع. أحضروا الرطب والفاكهة والطعام والمياه الباردة، وتعالت الأحاديث والضحكات، بينما كان البحر يزداد زرقة كلما ابتعدنا عن اليابسة.

بحر الفجيرة.
كيف تُزرع الشعاب المرجانية؟
عند الوصول إلى الموقع، بدأ كل شيء يسير بدقة لافتة. الجميع يتحركون وفق تعليمات القبطان؛ متى ينزلون، وأين يتجهون، وأين يثبتون قطع المرجان الصغيرة؟
علمت أن عملية الزراعة تبدأ بتثبيت أجزاء صغيرة من المرجان على هياكل أو قواعد مخصصة في مواقع محددة مسبقاً، ثم تُترك لتنمو تدريجاً وتكوّن مستعمرات مرجانية جديدة مع مرور الوقت.
وأكد لي القبطان أن الأمر لا يتم بصورة عشوائية، بل من ضمن مواقع تحددها الجهات المختصة، في إطار خطةٍ وطنية لإعادة تأهيل الشعاب المرجانية في الإمارات. فمع نمو هذه الشعاب، تعود إليها الأسماك والكائنات البحرية، لتستعيد المنطقة جزءاً من تنوعها البيئي الذي تعتمد عليه الحياة في البحر.
لم أكن أشاهد مجرد هواية للغوص، بل مشاركة حقيقية في مشروع طويل الأمد لإحياء جزء من البحر.
من هواية أسبوعية إلى مهمة لحماية البحر
قد تبدو الهوايات أحياناً مجرد وسيلة للترفيه، لكن ما أدهشني هو أن هؤلاء الشباب يكررون هذه الرحلة كل أسبوع تقريباً، من دون مقابل، ومن دون ضجيج.
لقاؤهم الأسبوعي الذي كان يمكن أن يقتصر على الغوص والحديث، تحوّل إلى عادة تترك أثراً حقيقياً في البيئة.
وللأسف أثناء محاولتي تصوير كل شيء، خسرت رهاني معهم. فأصابني دوار بحر شديد، وأمضيت نصف الرحلة مستلقية في آخر القارب، بينما لم يتوقف الغواصون عن إطلاق المزحات والتذكيرات بأنهم توقعوا هذا السيناريو منذ البداية.
ورغم ذلك، كنت أفكر طوال الوقت أنني ربما لم أكن لأعيش هذه التجربة أصلاً لولا الكاميرا.
في كل مرة أحملها معي هنا في الإمارات، أجد نفسي أذهب إلى أماكن لم أتخيل يوماً أنني سأصل إليها. تجعلني أكثر فضولاً، وأكثر استعداداً لخوض تجارب تبدو صعبة أو غير مألوفة.
ولهذا، أشعر أن دوار البحر كان جزءاً من الحكاية. فمقابل ساعات قليلة في عرض البحر، عدت بقصة لم أكن أعرف أنها موجودة؛ عن مجموعة أصدقاء لا يزرعون لأنفسهم، بل يزرعون حياةً كاملةً لا يراها معظمنا تحت سطح الماء.



