تقود مريم عثمان، المدير العام لمركز راشد لأصحاب الهمم، مسيرةً تُشبه سيمفونية من العطاء، حيث تختلط المهنية بالعاطفة، والقيادة بالحنان، والفكر الإداري بروح الأم. تحت إدارتها، تحوّل المركز إلى بيتٍ نابض بالحياة، تتلاقى فيه الطاقات المختلفة كألوان لوحة واحدة، تمتدّ من الأمل إلى الإصرار. ومنذ أكثر من ربع قرن، ما زالت تمضي بخطى ثابتة، مؤمنة بأن القيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد القرارات، بل بعدد الابتسامات التي تصنعها في وجوه من حولها.
تتذكر بدايات المركز، يوم كانت التحديات كثيرة والإمكانات محدودة، لكنها رأت في كل عقبة فرصة. تقول دائماً إنّ ما تعلّمته من دبي هو أن "كل صعوبة تُخفي في طيّاتها فرصة جديدة"، ولهذا كانت الإرادة أقوى من العوائق، والإيمان بالرسالة أقوى من التعب. ومع مرور السنوات، رسّخت في المركز بيئة داعمة، تُنصت لكل طفل وتحتفي بكل إنجاز صغير كأنه نصر كبير.

تحت قيادتها، شهد المركز تحوّلات نوعية نقلته إلى مستوى جديد من الريادة، سواء في المناهج التأهيلية أو البرامج العلاجية والتكنولوجية. أطلقت مريم "وحدة الذكاء الاصطناعي" لتفتح أمام الطلبة آفاق المستقبل الرقمي، وجعلت من المركز مساحةً لتعلّم المهارات الحديثة، لا مجرّد مؤسسة رعاية. أكثر ما تعتزّ به هو رؤية أصحاب الهمم وهم يعبّرون عن أنفسهم بثقة، ينجزون، يعملون، يبدعون، تقول: "أن نراهم واقفين على أرض صلبة من الثقة — هذا هو النجاح الحقيقي".
ولا تنظر إلى أصحاب الهمم كفئة تحتاج المساعدة، بل كقوة مجتمعية فاعلة. لذلك جعلت من الدمج في المجتمع وسوق العمل أولويةً في رؤية المركز. تعمل على بناء شراكات مع القطاعين العام والخاص، وتؤمن بأن الاستدامة في الدمج تبدأ من التوظيف، من الفرص الحقيقية التي تتيح لأصحاب الهمم أن يكونوا شركاء في التنمية لا متلقّين للعون. وهي ترى أن المجتمع الإماراتي اليوم أكثر وعياً وتفهّماً لقدراتهم، بفضل سياسات الدولة ومبادراتها الوطنية التي جعلت من التنوّع قيمةً أساسية.

في حديثها عن المرأة، تتحدّث من قلب التجربة: "قيادتي للمركز كانت تجربة إنسانية قبل أن تكون إدارية"، تقول، معتبرة أن تمكين المرأة في الإمارات لم يعد شعاراً بل واقعاً يُترجم في كل قطاع. بالنسبة إليها، العمل الإنساني هو الوجه الأكثر صدقاً لريادة المرأة، لأنه يمتح من قيم الرحمة والمسؤولية والعطاء التي تميّز شخصيتها الإماراتية.
ورغم ما تحمله مهامها اليومية من مسؤوليات، تبقى اللحظات الأجمل بالنسبة إليها تلك التي تلمح فيها ابتسامة صافية على وجه أحد الطلبة بعد إنجاز أو تقدّم. "تعلّمت من أصحاب الهمم أن السعادة لا تحتاج إلى ظروف مثالية، بل إلى روح تقاوم وتبتسم رغم كل شيء"، تقول وهي تستعيد مواقف صغيرة غيّرت فيها ابتسامة واحدة يوماً كاملاً.

أما المستقبل، فتراه مشرِقاً. تسعى إلى توسيع خدمات المركز وتطوير برامجه بما يواكب العصر ويمنح أصحاب الهمم فرصاً أوسع للاندماج والمشاركة. تؤمن بأنّ الإنسان هو جوهر كل رؤية تنموية، وأنّ العمل الإنساني في الإمارات يسير نحو مرحلة أكثر ابتكاراً وشمولاً، حيث يصبح العطاء ثقافة يومية لا موسمية.
وتختم مريم عثمان حديثها برسالة إلى الأهالي: "الإيمان بأبنائكم هو البداية. كل طفل يمتلك طاقة فريدة تحتاج فقط إلى بيئة تحترم اختلافه وتمنحه الثقة"، لافتة: "عندما نُؤمن بقدراتهم، لا نغيّر حياتهم فقط، بل نرتقي بإنسانيتنا جميعاً".



