حطّت الطائرة في دبي عام 1988 وعلى متنها السائحة الألمانية أورسولا موش. لم تكن تعرف أن تلك الرحلة القصيرة ستبدّل مسار حياتها إلى الأبد.
كانت تنوي قضاء عطلة هادئة على الشاطئ، بين صفحات الكتب ودفء الشمس، في وقتٍ لم يكن في دبي سوى ثلاثة فنادق فقط. حجزت في أحدها وبدأت إجازتها، لكن ما إن اختلطت بالعائلات الإماراتية حتى شعرت بأن شيئاً في داخلها تغيّر؛ ذلك الفراغ الذي كانت تحمله منذ زمن امتلأ بدفء الناس وكرمهم وبساطة الحياة.
تقول أورسولا لـ"النهار": الأرض والثقافة والتقاليد… كلها بدت مألوفة كأنني أعود إلى مكان أعرفه منذ زمن. لم أصل بعينين بريئتين، كنت أتوقّع ما سيحدث، كنت أعلم أن هذه البلاد ستأسرني".
كانت تنوي قضاء عطلة هادئة على الشاطئ، بين صفحات الكتب ودفء الشمس، في وقتٍ لم يكن في دبي سوى ثلاثة فنادق فقط. حجزت في أحدها وبدأت إجازتها، لكن ما إن اختلطت بالعائلات الإماراتية حتى شعرت بأن شيئاً في داخلها تغيّر؛ ذلك الفراغ الذي كانت تحمله منذ زمن امتلأ بدفء الناس وكرمهم وبساطة الحياة.
تقول أورسولا لـ"النهار": الأرض والثقافة والتقاليد… كلها بدت مألوفة كأنني أعود إلى مكان أعرفه منذ زمن. لم أصل بعينين بريئتين، كنت أتوقّع ما سيحدث، كنت أعلم أن هذه البلاد ستأسرني".

عادت إلى ألمانيا، لكن قلبها ظلّ هناك في دبي. وبعد سنوات من التردد، قرّرت عام 2002 أن تُمسك خيط القدر بيديها. باعت متجر والدها، وبدأت تعلّم العربية، لغة البلاد التي عشقتها، لتعود بعدها إلى الإمارات لا كسائحة بل كابنةٍ ثانيةٍ للصحراء.
وفي إحدى زياراتها الأولى بعد عودتها، تلقّت هدية من أحد المواطنين - جملاً - فكانت تلك اللحظة نقطة تحوّل في حياتها. تقول: "الجِمال مصدر راحتي. بعد يومٍ مرهق، ألجأ إليها. أفهم اليوم تماماً قول العرب إن الجمل ليس حيواناً، بل إنسان".
تحكي أورسولا بابتسامة: "لو تعاملتم مع هذه المخلوقات كما أفعل، لفهمتم المقولة. لقد كانت الجمال غذاء العائلة، مصدر الحليب واللحم، لكنها أيضاً رفيقة الطريق، قوية وصبورة، تتبدّل سلالاتها مع الصحراء، لكنها تبقى رمزاً للحياة فيها".

ومع مرور الوقت، لم تعد أورسولا مجرّد هاوية لتربية الإبل. تعلّمت أصول المهنة حتى أصبحت اليوم تمتلك مزرعة خاصة في منطقة وادي سيح السلم خارج دبي، تضم أكثر من 30 جملاً وقطيعاً من الماعز.
حياتها اليوم تتوزع بين رعاية الإبل وقيادة السيارة في المناطق النائية، حيث تجد متعتها في سكون الصحراء. تقول: "قد يراها البعض مكاناً كئيباً، لكنني أراها لوحاً يتبدّل مع الضوء. في الربيع تكتسي نقاطاً خضراء، وفي الصيف تتوهج بحرارتها، وفي الخريف ترسم العواصف الرملية قصصاً على وجه الرمال".
ولأنها آمنت بأن الصحراء ليست مجرد مشهد طبيعيّ بل تجربة حياة، حوّلت مزرعتها إلى وجهة سياحية يعيش فيها الزوار أجواء البادية بكل تفاصيلها، من تذوق الطعام الإماراتي، إلى الجلوس على الأثاث التقليدي تحت ضوء القمر، إلى الاستماع إلى القصص عن حياة الإمارات والمرأة فيها.
تقول أورسولا بإعجاب: "الأسرة في الإمارات لها مكانة لا تشبه ما نعرفه في أوروبا. الأطفال يُربّون على القيم والعادات، وتُحتَضن المرأة وتُقدَّر، فهي جزء فاعل من المجتمع وليست على الهامش كما يظن البعض".
في أمسياتها الصحراوية، تتحدث كثيراً عن المرأة الإماراتية التي تراها مثالاً للقوة والتوازن بين الأصالة والعصرية، وتقول إنها تشعر بالفخر لأنها اليوم تمثل هذه القيم وتعيشها عن قرب.
وهكذا، تحوّلت أورسولا من سائحةٍ تبحث عن الهدوء إلى امرأة وجدت وطنها الثاني في الصحراء، تعيش بين الإبل والرمال، وبين دفء الناس وصدق الحكايات، شاهدةً على قصة عشقٍ طويلة بدأت برحلة قصيرة، ولم تنتهِ بعد.
في دبي، لم تكتشف أورسولا بلداً جديداً فحسب، بل اكتشفت نفسها أيضاً؛ هناك أعادت تعريف الحياة كما تريدها، وتصالحت مع ذاتها، وعرفت أن السعادة ليست في المكان الذي نأتي منه، بل في المكان الذي نجد فيه أنفسنا.
تقول بابتسامة مطمئنة: "دبي لم تغيّر حياتي فحسب... بل جعلتني أجد نفسي من جديد".




