على ضفاف مياه الخليج الفيروزية، يبدو اللوفر- أبوظبي مدينةٍ عائمة من
الضوء، ومعلماً يجسّد الخيال المعماري والطموح الثقافي. صمّمه المعماري الحائز
جائزة "بريتزكر" جان نوفيل، ليكون "حجر الزاوية" وأول المعالم
الكبرى في جزيرة السعديات، المنطقة الثقافية الرائدة في دولة الإمارات العربية
المتحدة حيث يلتقي الفن والتصميم والحوار العالمي.
قبّته الهندسية الواسعة التي تبدو معلّقة فوق مجموعة من الأروقة البيضاء،
تُرشّح أشعة الشمس في مشهدٍ أخّاذ يُعرف بـ"مطر الضوء"، مستحضرةً أنماط
المشربيات العربية التقليدية في صياغةٍ معاصرة جريئة.

متحف اللوفر في منطقة السعديات في أبو ظبي.
وفي موقعه
الفريد بين البحر والسماء في أبوظبي، وبشراكةٍ مع متحف اللوفر في باريس، يقف
المتحف جسراً رمزياً بين الحضارات، معلناً حضور المنطقة لاعباً رئيسيًا على
الخريطة الثقافية العالمية.
من هذا الموقع، وُلد أول متحف عالمي في العالم العربي. ليس نسخة عن متحف
فرنسي عريق، إنما نتيجة لقاء نادر بين رؤيتين: خبرة متحفية أوروبية عمره قرون،
وطموح عربي يسعى إلى إعادة سرد تاريخ الإنسانية من موقعه الجغرافي والثقافي.
يوضح مدير المتحف مانويل راباتيه السابق أنّ اللوفر- أبوظبي هو متحف إماراتي
بالكامل، تملكه دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، ويحمل اسماً ورؤية متحفية
مستوحاة من اللوفر الفرنسي بوصفه "متحف المتاحف". من فرنسا جاءت الفكرة
المتحفية، ومن أبوظبي جاء الموقع والسياق والتاريخ المتصل بالشرق والغرب، ما جعل
المتحف كياناً جديداً لا نسخة مستنسخة.
وجاء قرار استضافة المتحف في إطار استراتيجية أوسع تبنّتها أبوظبي منذ مطلع
الألفية، قائمة على الاستثمار في التعليم والمعرفة والسياحة الثقافية. فمن
الجامعات العالمية إلى البنى التحتية الثقافية الكبرى، شكّلت المتاحف ركناً
أساسياً في بناء اقتصاد المعرفة. ومن هنا، اتُّخذ قرار الشراكة مع اللوفرالباريسي
لإنشاء متحف عالمي في قلب المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات، ضمن مشروع طويل
الأمد.

لكن فرادة اللوفر- أبوظبي، كما يشدد راباتيه، تكمن في إعادة ابتكار مفهوم
"المتحف الكوني" من داخل العالم العربي. ويقول: "أخذنا من اللوفر
فكرة متحف المتاحف، أي المجموعة والجودة وغيرهما ومن أبوظبي فكرة العاصمة المتصلة،
المترابطة مع الشرق والغرب، وًعندما ندمجهما معاً، يأتي الابتكار".
فبدلاً من تقديم تاريخ الفن على طريقة الموسوعة أو التسلسل الجاف، يعتمد
المتحف سرداً زمنياً متصلاً يبرز الروابط بين الحضارات، ويحوّل الزيارة إلى رحلة
عبر الزمن، أو ما يشبه "آلة زمن" ثقافية، تُظهر كيف تفاعلت المجتمعات
الإنسانية عبر العصور.
ويُروى هذا التاريخ العظيم للعالم بترتيب زمني من خلال الأعمال نفسها، سواء
تلك الآتية من المتاحف الفرنسية أم المملوكة لأبوظبي، والتي تركز كلها على إبراز
أهمية المنطقة والخليج والهوية العربية والإسلامية. فالمتحف، وهو يروي قصة العالم،
يحرص على التركيز على موقعه وسياقه.

وكان اللوفر- أبوظبي أول متحف يفتح أبوابه على جزيرة السعديات عام 2017،
ليشكّل نقطة الانطلاق للمنطقة الثقافية. واليوم، ومع اقتراب اكتمال المشهد بافتتاح
متحف زايد الوطني، ومتحف التاريخ الطبيعي، وغوغنهايم أبوظبي، ومتحف
TeamLab Phenomena، يرى راباتيه أن القيمة الحقيقية ستنبع من
تفاعل هذه المؤسسات معاً، لتشكّل شبكة ثقافية عالمية نادرة.
داخل المتحف، تبدأ الرحلة في قاعة الخريطة، الوحيدة الخارجة عن التسلسل
الزمني. على الأرضية، يمتد الساحل الإماراتي، فيما تحمل الأسماء المحيطة به، في ما
عدا اسماء الإمارات السبع، أصول المجموعات الفنية القادمة من مختلف أنحاء العالم.
إنها دعوة إلى
السفر عبر المكان قبل الزمن، قبل الدخول في تاريخ يمتد لأكثر من عشرة آلاف عام.
وقد صُمّمت القاعة وخزائنها على يد جان نوفيل لتعكس "مطر الضوء" تحت
القبة الشهيرة، في بيان بصري يلخّص فلسفة المتحف.

أما التكنولوجيا، فتُقدَّم وسيلة لإعادة تركيز النظر. الذكاء الاصطناعي،
والواقع المعزز، وتطبيق "ArtScan" صُمّمت لتعميق
الفهم والحفاظ على أصالة الأعمال، لا لمزاحمتها. التكنولوجيا هنا تخدم العمل الفني
ولا تحجبه.
وحينما يُسأل راباتيه عن رؤيته للمتحف في المستقبل، يجيب بأن اللوفر-
أبوظبي يعيش هذا المستقبل بالفعل. فهو متحف يغوص في عمق الماضي، لكنه يدرّب الزائر
على قراءة الصورة وفهم دورها عبر العصور، استعداداً لعالم يزداد ازدحاماً بالصور
والمعاني.
لا يكاد يخلو أسبوع من معرض أو فعالية أو ندوة، والمحطة المفصلية هي الذكرى
العاشرة لافتتاح المتحف. لحظة مراجعة لمسار عقد كامل، من بناء المجموعة الفنية،
إلى تدريب القيّمين الإماراتيين، إلى الأبحاث والنشر والحضور الرقمي، تمهيداً لفتح
صفحة جديدة للعقد المقبل.
بهذا المعنى، لم يصل اللوفر إلى أبوظبي كاسم
مُعار، إنّما كمشروع حضاري متكامل، ما يجعل من المتحف أداة قوة ناعمة، ومن الثقافة
لغة أبوظبي في مخاطبة العالم



