في أواخر الخمسينيات، كانت مدينة العين واحة صغيرة تعيش على بساطة الحياة التقليدية، الطبيعة فيها تصنع إيقاعها الخاص، والطب الحديث شبه غائب.
في تلك الأيام جاء الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان برؤية لم تكن مجرد بناء مستشفى، بل رسالة حياة: دعوة بات وماريان كينيدي، طبيبين أميركيين شابين، ليؤسسا أول مستشفى في المنطقة عام 1960، الذي عُرف باسم "مستشفى الواحة"، وبات لاحقاً رمزاً للطب والرحمة تحت اسم "كِند".

وصل الزوجان كينيدي إلى العين، بصحبة حقيبتهما وقلوب مليئة بالإيمان والرحمة، في بيئة يخاف الناس فيها من الطبيب الغريب، ويؤمنون بالطب الشعبي. كان عليهم أن يثبتوا أن الطب والإنسانية يمكن أن يكونا واحداً. وعندما بدأوا استقبال المرضى، كانت الولادات تحدث تحت النخيل، في غرف صغيرة مضاءة بمصابيح يدوية، أو أحياناً في خيام، لكن كل ابتسامة رضيع كانت معجزة صغيرة، كل أم وُلد طفلها بأمان كانت قصة نصر على الصحراء والخوف.

كان بات كينيدي طبيباً شاباً من عائلة متدينة في كاليفورنيا، درس الطب متأثراً بفكرة الخدمة الإنسانية في المناطق النائية، فيما كانت زوجته ماريان، طبيبة توليد وباحثة في الكيمياء الحيوية، تؤمن بأن الطب رسالة أخلاقية قبل أن يكون مهنة. عملا قبل العين في بعثات طبية متنقلة بين لبنان والعراق والأردن، ثم استجابا لدعوة الشيخ زايد عام 1960، تاركين حياة مريحة في أميركا وراءهما، ليقوما بمغامرة صحية في صحراء لا تحتمل التجربة مرتين. كانا يعيشان في بيت بسيط ملاصق للمستشفى، يأكلان ما يأكله الناس، ويستقبلان المرضى ليلاً ونهاراً، حتى صار اسماهما جزءاً من ذاكرة المكان، إلى حد أن شارعاً في الإمارات سُمّي باسميهما بعد رحيلهما، اعترافاً بما زرعاه من أثر يفوق المباني والطب… أثرٌ في الناس وفي معنى الرحمة ذاتها.
بعد عامين، جاءت الممرضة الكندية جيرترود دايك التي صار الجميع يعرفها لاحقاً بـ"الدكتورة لطيفة" أو ماما لطيفة. لم تكن طبيبة، لكنها حملت قلبها، خبرتها، وروحها لتصبح جزءاً من المجتمع. ارتدت الزي الإماراتي، تعلمت العربية واللهجة البدوية، مشت حافية، وتناولت الطعام مع الأهالي باليد كما يفعلون. حضرت الأعراس، كانت تزور المرضى في منازلهم، وتشارك الأهالي أفراحهم وأحزانهم، فصارت جزءاً من وجدان كل أسرة.

تروي إحدى النساء: "أتذكر عندما ولدت ابني الأول، كانت لطيفة هناك، لم أرَ أحداً يحمل هذا الحب والطمأنينة، جعلتني أشعر أن كل شيء سيكون على ما يرام."
وكانت لطيفة أيضاً شاهدة على طرائف الحياة: أم تحمل الماء على رأسها لمسافات طويلة، نساء يجرين أطفالهن بين الخيام، أمهات تذبح معزة لإنقاذ رضيع، وأطباء يعملون في حرارة الشمس وضوء الفانوس ليلاً. ومع كل هذا، كانت لطيفة تجسد الرحمة، تجعل كل مريض يشعر بأنه محبوب، وتبني الثقة بين المجتمع والمستشفى.
على مر السنين، تحوّل مستشفى الواحة من مبنى صغير إلى مستشفى كِند الحديث، مزوّد بأحدث التجهيزات، وأصبح معلماً للمدينة ورمزاً للوفاء والإنسانية. زار سكوت كينيدي، ابن الطبيب، المستشفى ليشاهد أثر والديه، ويعرف كيف تركا بصمتهما على مجتمع بأكمله.

خلال زيارة تاريخية، تحدث الشيخ محمد بن زايد للرئيس الأميركي دونالد ترامب قائلاً: "هنا وُلدت أنا، وهنا بدأ المجتمع يثق بالطب الحديث، وهنا ترك الزوجان كينيدي بصمتهما الإنسانية. لقد جاءا إلينا ليس فقط بالطب، بل بالحب والرحمة، وجعلوا المستشفى معلماً للتعايش والمحبة والإنسانية."
كانت "ماما لطيفة" أيضاً مصورة وموثقة للحياة اليومية، فخلّفت آلاف الصور النادرة التي تحكي تحول المدينة من واحة صغيرة إلى مجتمع حديث. وفي سنواتها الأخيرة، علمت العاملين الطبيين الجدد اللغة العربية لتسهيل التواصل مع الأهالي، ضامنة استمرار قيم الرحمة والإنسانية.

رحلت لطيفة عام 2009 عن 75 عاماً، ورحل الزوجان بات وماريان كينيدي، غير أنّ إرثهم ظلّ حيّاً لا يغيب: أرشيف من الصور يوثّق البدايات قبل أن تُعبّد الطرق، وحكايات ولادات تروى جيلاً بعد جيل، وذاكرة شفوية في بيوت العين لا تزال تُستعاد كأنها بالأمس. لم ينسَ الناس تلك المرأة التي جاءت زائرة فصارت من أهل الدار، تطرق أبوابهم بحنان الممرضة لا بقسوة المهنة، ولا هذين الطبيبَين اللذين لم يأتيا لطبابة الناس فحسب، حتى باتت مستشفى "كِند" تحمل بصماتهما شاهداً مادياً على أن ما يُزرع في الناس أبقى من كل حجر.
هذه الحكاية ليست مجرد تاريخ، إنها رحلة تذكّرنا بأن الإنسان، بالمحبة والإحسان والرحمة، قادر على بناء عالم أفضل، وأن المستشفى الذي بدأ كمأوى للمرض، أصبح معلماً للإنسانية، حيث التعايش والمحبة والطب تلتقي لتصنع ذاكرة لا تُنسى.



