في سردية التحول الاقتصادي في دولة الإمارات العربية المتحدة، ظل التركيز لسنوات طويلة على ثلاثة أعمدة رئيسية: النفط، والخدمات اللوجستية، والقطاع المالي والسياحي. غير أن هذه الصورة، على دقتها التاريخية، لم تعد كافية لفهم ما يجري اليوم.
تتحرك الإمارات بخطى واثقة نحو إعادة تعريف موقعها في الاقتصاد العالمي، ليس فقط كمركز لتدفقات التجارة ورأس المال والطاقة، بل كاقتصاد منتِج يمتلك قاعدة صناعية متقدمة قادرة على توليد القيمة، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز مناعته في مواجهة الصدمات الخارجية.

لم يعد التصنيع في الإمارات نشاطاً هامشياً أو امتداداً لقطاع الطاقة. هذا الفصل طُوِي. ما نشهده اليوم هو مشروع وطني متكامل، تقوده رؤية واضحة تسعى إلى نقل الاقتصاد من مرحلة تصدير المواد الأولية واستيراد المنتجات المصنعة، إلى مرحلة الإنتاج والتصدير لسلع عالية القيمة في قطاعات متنوعة، من الصناعات الثقيلة إلى التكنولوجيا المتقدمة. إنه انتقال هادئ، لكنه عميق، من اقتصاد قائم على الحركة إلى اقتصاد قائم على الحركة والإنتاج.
في قلب هذا التحول، تقف استراتيجية "مشروع 300 مليار"، التي تستهدف رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 133 مليار درهم (حوالي 36 مليار دولار) في عام 2021 إلى 300 مليار درهم بحلول عام 2031. وقد أحرزت الدولة تقدماً ملموساً، إذ ارتفعت مساهمة القطاع الصناعي إلى نحو 205 مليارات درهم في عام 2023، ثم إلى أكثر من 210 مليارات درهم في عام 2024، أي ما يعادل نحو 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الفصل الأول من عام 2025، سجل قطاع التصنيع نمواً بنسبة 7.7 في المئة، ليصبح من أسرع القطاعات نمواً، مساهماً بنحو 13.4 في المئة من الناتج غير النفطي، في حين ازدادت حصة الاقتصاد غير النفطي إلى 77.3 في المئة من الناتج الإجمالي، وهو أعلى مستوى تاريخي.
لكن الأرقام، مهما بلغت أهميتها، لا تروي القصة كاملة. الأهم هو ما تقوله هذه الأرقام. لقد بلغت صادرات الإمارات الصناعية نحو 262 مليار درهم في عام 2025، بنمو قدره 25 في المئة مقارنة بالعام السابق، فيما وصلت صادرات التكنولوجيا المتوسطة والعالية إلى نحو 92 مليار درهم، متجاوزة مستهدفات عام 2031 قبل ست سنوات من موعدها. ببساطة، لم تعد الإمارات تشتري وتعيد التصدير فقط، بل تنتج وتصدّر أيضاً.

يبرز في هذا المشهد دور إمارة أبو ظبي كقاطرة صناعية رئيسية، إذ تستهدف استراتيجيتها الصناعية مضاعفة حجم القطاع إلى 172 مليار درهم، ورفع الصادرات غير النفطية إلى نحو 178.8 مليار درهم، إلى جانب توليد أكثر من 13 ألفاً و600 وظيفة نوعية بحلول عام 2031. هذا ليس مجرد توزيع جغرافي للنشاط الاقتصادي، بل توزيع أدوار داخل منظومة واحدة، إذ تتكامل الإمارات في ما بينها ولا تتنافس.
مع ذلك، لا تقوم هذه التجربة على الكم وحده. لا تحاول الإمارات إعادة إنتاج نموذج التصنيع التقليدي القائم على العمالة الكثيفة والتكاليف المنخفضة، بل تراهن على نموذج مختلف، مستند إلى رأس المال والتكنولوجيا المتقدمة. هنا، تتحول المصانع إلى منصات ذكية تستخدم الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والتوأمة الرقمية، لرفع الإنتاجية وتحسين الجودة. يأتي ذلك من ضمن برامج، مثل "التحول التكنولوجي" و"التحول 4.0"، تدعم نحو 100 شركة صناعية ذات إمكانيات عالية، وتهدف إلى إنشاء نماذج صناعية متقدمة خلال فترة تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات.
تؤدي سياسات التوطين الصناعي دوراً حاسماً في هذا المسار، وعلى رأسها برنامج "القيمة الوطنية المضافة"، الذي أعاد توجيه الإنفاق الحكومي وشبه الحكومي نحو الشركات المحلية. لقد ساهم هذا البرنامج في توجيه أكثر من 347 مليار درهم إلى الاقتصاد الوطني، إضافة إلى الدعم والتوفير لأكثر من 22 ألف وظيفة للمواطنين في القطاع الخاص، ولاسيما في الصناعة. كذلك ساهمت اتفاقيات شراء مسبق بعيدة الأجل، بلغت قيمتها نحو 143 مليار درهم لتصنيع أكثر من ألفي منتج داخل الدولة، في تقليل المخاطر أمام المستثمرين، وتوفير رؤية واضحة للطلب المستقبلي. إنها سياسة صناعية بأدوات السوق، لا بالقيود.

وعلى صعيد التمويل، ضخت الدولة عبر مؤسساتها أكثر من 19 مليار درهم في القطاع الصناعي خلال السنوات الأخيرة، منها نحو 9.5 مليارات درهم في عام 2024 وحده، توزعت على قطاعات استراتيجية مثل الغذاء، والدواء، والتكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى دعم صادرات المنتجات الصناعية عبر أدوات تمويل وتأمين متخصصة.
لا يمكن فهم هذا التحول الصناعي بمعزل عن السياسة التجارية الخارجية، ولاسيما من خلال اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، التي تفتح أسواقاً جديدة أمام المنتجات الإماراتية، وتمنح الصناعة المحلية قدرة أكبر على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. ذلك أن الصناعة ليست موجهة للسوق المحلية فقط، بل جزء من استراتيجية أوسع لتعزيز موقع الدولة في التجارة الدولية.
البعد البيئي حاضر أيضاً، وربما أكثر مما يبدو. تتبنى الإمارات خريطة طريق لإزالة الكربون من القطاع الصناعي تستهدف خفض الانبعاثات التراكمية بنحو 2.9 جيغاطن بحلول عام 2050، مع أهداف مرحلية تشمل خفضاً بنسبة خمسة في المئة بحلول عام 2030، و63 في المئة بحلول عام 2040، و93 في المئة بحلول عام 2050. وهذا لا يقتصر على تقليل الانبعاثات، بل يشمل إعادة التفكير في طريقة الإنتاج نفسها، عبر الطاقة المتجددة والهيدروجين النظيف، وتبني نموذج "الاقتصاد الدائري" الذي يركز على إعادة التدوير وتقليل الهدر.
ويمتد هذا التحول ليشمل الشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة، التي باتت جزءاً من المنظومة الصناعية الجديدة، ولاسيما في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع الذكي. ذلك أن الصورة هنا ليست عبارة عن مصانع عملاقة فقط، بل كذلك شبكة أوسع من الابتكار وريادة الأعمال، ما يمنح القطاع مرونة أكبر وقدرة على التكيف.
في خلفية ذلك كله، يتشكل بعد رمزي لا يقل أهمية: بناء هوية صناعية جديدة للدولة. لم تعد عبارة "صنع في الإمارات" مجرد وسم تجاري، بل باتت كذلك تعبيراً عن تحول أعمق، اقتصادي وثقافي في آن، يعكس انتقال الدولة من مستهلك للتكنولوجيا إلى مساهم في إنتاجها، ومن مستورد للسلع إلى مصدّر لها.

السؤال المطروح الآن: إلى أي مدى يمكن للدولة الصعود في سلاسل القيمة العالمية؟ الإمارات التي نجحت في بناء أحد أكثر اقتصادات الخدمات كفاءة في العالم، تسعى اليوم إلى بناء اقتصاد صناعي متقدم، يجمع بين الانفتاح والقدرة الإنتاجية، وبين الاستدامة والتنافسية.
إنه تحول عميق في بنية الاقتصاد، يعيد تعريف دور الدولة في عالم يتجه نحو إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج والتجارة. وفي هذا العالم الجديد، لم يعد يكفي أي دولة من الدول أداء دور مركز للمرور، بل يجب أن تكون جزءاً من عملية الإنتاج نفسها. وهذا، في جوهره، ما تقوم به الإمارات الآن.



