على امتداد كورنيش عجمان، ترتفع الأبنية الحديثة بواجهاتها الزجاجية وإيقاعها السريع، كأنّ المدينة تواصل كتابة حاضرها بثقةٍ لا تهدأ. لكن وسط هذا المشهد العمراني المتجدّد، يبقى برج المربعة ثابتاً في مكانه، لا تبتلعه الأبراج العالية ولا تُلغي حضوره السنوات. هناك، عند البحر، ما زال البرج يحتفظ بموقعه الاستراتيجي القديم، كأنّه الحارس الذي رفض أن يغادر مهمته، والعين الساهرة التي تواصل مراقبة الساحل وحفظ ذاكرة المكان للأجيال الجديدة.

يبدو برج المربعة اليوم أشبه بفاصلٍ زمني بين عجمان الأمس وعجمان الحديثة. خلفه مدينة تنمو بسرعة، وأمامه بحرٌ ما زال يحمل رائحة الحكايات القديمة. وبين الاثنين، يقف البرج بصمته المهيب، يخبر الزائر أنّ هذه المدينة لم تُبنَ فوق ذاكرتها، بل انطلقت منها.
على امتداد الكورنيش، حيث المقاهي والمطاعم والممرات البحرية التي تعجّ بالزوّار والسياح، يلفت برج المربعة الأنظار ببساطته المختلفة. ليس الأعلى بين المباني، ولا الأكثر صخبا، لكنه يحمل شيئا لا تمنحه العمارة الحديثة بسهولة: روح المكان. مجرد الاقتراب من جدرانه الرملية يكفي لاستحضار زمنٍ كانت فيه الحياة أكثر هدوءا، وكانت الأبراج تُشيّد للحماية لا للزينة، ولطمأنة الناس لا لمنافسة السماء.

شُيّد البرج في ثلاثينات القرن الماضي بأمر من الشيخ راشد بن حميد النعيمي، ليكون نقطة مراقبة تحرس عجمان من الجهة الجنوبية الغربية، وتؤمّن المدينة وسكانها من الغزوات وقطاع الطرق. وقد بناه أحمد خليل الهاشمي مستخدماً مواد مستخرجة من البيئة المحلية نفسها: الحجارة البحرية، والجصّ الناتج من حرق الحجر المرجاني، إضافة إلى الخشب وسعف النخيل، لذلك بدا البرج وكأنّه امتداد طبيعي للبحر والرمال المحيطة به.
في ذلك الزمن، لم يكن برج المربعة معلماً سياحياً، بل جزءا من تفاصيل الحياة اليومية. كان الحارس يقضي يومه في الغرفة العلوية، يراقب البحر والطرق الرملية المؤدية إلى المدينة، فيما يُرفع إليه الطعام والشراب بواسطة "الجفير"، وهي سلة من سعف النخيل تُربط بحبل بسبب عدم وجود مدخل أرضي مباشر للبرج. وقد ساعد تصميمه الدفاعي، بجدرانه السميكة ومزاغله الضيقة وغياب النوافذ في الطابق السفلي، على تعزيز دوره كحصن مراقبة وحماية.
لكن البرج لم يكن مجرد نقطة دفاع. عنده كانت تتقاطع الطرق والحكايات. المارّة والمسافرون يجدون استراحة قصيرة وحديثاً دافئاً قبل متابعة الطريق، فيما كان البحر يمدّ المكان بإيقاعه الهادئ الذي يشبه حياة المدن الساحلية القديمة.
ومع قيام الاتحاد وتطوّر مؤسسات الدولة، انتهى الدور الدفاعي للأبراج، غير أنّ عجمان اختارت ألّا تسمح لذاكرتها بأن تتلاشى. فبتوجيهات عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان حميد بن راشد النعيمي، خضع برج المربعة لعمليات ترميم دقيقة حافظت على روحه الأصلية، ليبقى شاهدا حيا على تاريخ الإمارة، وواحدا من أبرز معالمها التراثية والسياحية.

اليوم، يتحوّل البرج إلى محطة أساسية لزوّار الكورنيش. السياح يلتقطون الصور قرب جدرانه القديمة، والعائلات تتأمل مشهد البحر الممتد خلفه، فيما يبدو البرج كأنّه يروي لكل من يقترب منه كيف بدأت الحكاية هنا... من برجٍ صغير كان يحرس المدينة، قبل أن يصبح واحداً من أكثر الأماكن قدرةً على رواية روح عجمان القديمة.

وفي المساء، حينما تنعكس الأضواء الحديثة على جدرانه الترابية، تتجلّى المفارقة الجميلة للمكان: مدينة تتغيّر بسرعة، وبرج قديم ما زال ينجح في البقاء جزءاً من صورتها. لا يقف في مواجهة الحداثة، بل يذكّرها فقط بأن المدن التي تحفظ ذاكرتها، هي وحدها القادرة على أن تبدو أكثر حياة.



