ليست كلّ المدن قادرةً على الاحتفاظ بصوتها القديم وسط هذا القدر من التغيّر. لكن عجمان تفعل ذلك بهدوء، عبر مكانٍ ما زال الخشب فيه يُشكَّل يدوياً، وما زالت السفن تُصنع كما كانت قبل عقود طويلة. في منطقة الداو، لا يرى الزائر مجرّد صناعة بحرية، بل يرى كيف يمكن للتراث أن يبقى حيّاً حين يتحوّل إلى ممارسة يومية لا إلى ذكرى فقط.

على الضفة الشمالية لخور عجمان، تمتدّ "الداو يارد" كواحدة من أبرز المساحات التي تختزن روح الخليج البحري. حتى الاسم نفسه يحمل شيئاً من ذاكرة المكان. "الداو" هو المركب الخشبي الذي عبر الخليج لعقود طويلة، أمّا "يارد" فهي الورشة المفتوحة على الماء، حيث تتحوّل الأخشاب الصامتة إلى سفن تعرف طريقها إلى البحر. هنا، تبدو الورش مفتوحة على الزمن، أخشاب ضخمة مصطفّة قرب الماء، وأصوات أدوات تتداخل مع حركة البحر، وحرفيون يعملون بإيقاع هادئ كأنهم يعرفون أن هذه المهنة تُنجز بالصبر والخبرة والذاكرة.
منذ مئات السنين، شكّلت سفن "الداو" العمود الفقري للحياة البحرية في المنطقة. عبرها انتقلت البضائع بين موانئ الخليج والهند وشرق أفريقيا، ومنها خرج الغوّاصون بحثاً عن اللؤلؤ، والصيّادون إلى أرزاقهم اليومية. لم تكن السفينة مجرد وسيلة نقل، بل كانت جزءاً من تفاصيل الحياة نفسها، ولهذا بقيت صناعتها مرتبطةً بالهويّة الإماراتية حتى اليوم.

ما يلفت الزائر في الداو يارد ليس حجم السفن فقط، بل الطريقة التي تُبنى بها. فالحرفة ما زالت تعتمد على الأدوات التقليدية التي توارثها الجلّافون والنجّارون جيلاً بعد جيل. "الرندة" لتنعيم الخشب، و"الجدوم" لتسوية الألواح، و"المجدح" لثقبها قبل تثبيت المسامير، فيما تُسدّ الفراغات بخيوط القطن المعروفة بـ"الكلفات"، ثمّ تُطلى السفن بمادة "الدامر" لحمايتها من تسرّب المياه. كلّ خطوة هنا تحمل شيئاً من المعرفة القديمة التي انتقلت من يدٍ إلى أخرى.
ورغم هذا الارتباط العميق بالماضي، لا تبدو المنطقة متوقفةً عنده. فالداو يارد اليوم تجمع بين السفن الخشبية التقليدية والقوارب الحديثة واليخوت التي تُصنع وفق معايير عالمية، ما جعل عجمان واحداً من أبرز مراكز الصناعات البحرية في المنطقة. عشرات الورش والمصانع تعمل هنا، فيما تصل منتجات الإمارة البحرية إلى دول كثيرة حول العالم، في صورة تعكس كيف استطاعت عجمان أن تحافظ على تراثها من دون أن تعزله عن التطوّر.

لكن الجانب الأكثر جاذبية في المكان يبقى ذلك الشعور الذي يرافق الزائر وهو يجول قرب الخور. فالمشهد لا يبدو مصطنعاً أو معدّاً للعرض فقط، بل يبدو حقيقياً وعفوياً. رجال يحملون الأخشاب، وسفن قيد الترميم، وأخرى تستعدّ للنزول إلى الماء، فيما يبقى البحر قريباً بما يكفي ليذكّر الجميع بسبب وجود هذا المكان منذ البداية.
وتزداد خصوصية التجربة مع موقع عجمان البحري الممتدّ على ساحل هادئ من الخليج العربي، حيث تتجاور المياه الزرقاء مع الشاطئ الرملي الطويل، في مشهد يمنح الإمارة طابعها البحري الواضح. هنا، لا تنفصل المدينة عن البحر، ولا تنفصل الداو يارد عن ذاكرة عجمان نفسها.

زيارة هذا المكان لا تشبه زيارة معلم سياحي عابر، بل تشبه الاقتراب من طبقة قديمة ما زالت حيّةً تحت ملامح المدينة الحديثة. ففي الداو يارد، لا تُصنع السفن وحدها، بل يُعاد ترميم العلاقة القديمة بين الإنسان والبحر، بكلّ ما تحمله من تعبٍ ومغامرة وحكايات سفر بعيدة.

ومع اقتراب الغروب، حين تهدأ حركة الورش قليلاً وتنعكس ألوان الشمس على الخشب والماء، يبدو المكان كأنه يحتفظ بسرّه الخاصّ: أن بعض المهن لا تعيش لأنها قديمة فقط، بل لأنها ما زالت قادرةً على منح المكان روحه حتى اليوم.



