في قلب المشهد الصحراوي لإمارة الشارقة، تبدو الكثبان ساكنة وصامتة؛ غير أنّ واحداً من أكثر المواقع الأثرية إثارة للأسئلة حول بدايات الإنسان وتحوّلاته الكبرى يكمن هناك: موقع الفاية للتراث العالمي.
قبل عقود، كان الموقع مجرّد مساحة أثرية في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، لكنّه تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مختبر علمي عالمي يعيد كتابة جزء من تاريخ البشرية نفسها، ويضع دولة الإمارات العربية المتحدة في قلب النقاشات الدولية المرتبطة بالهجرة البشرية المبكرة، والتكيّف المناخي، ونشأة المجتمعات الأولى في البيئات الصحراوية.

اكتسبت الفاية زخماً استثنائياً بعد إدراج مشهدها الثقافي لعصور ما قبل التاريخ على قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو عام 2025، في اعتراف دولي بالقيمة العلمية الفريدة للموقع. ولكن أهمية الفاية لا تنبع فقط من رمزيتها التراثية، وإنّما من كونها أحد أقدم وأغنى السجلات المتصلة للوجود البشري في البيئات الصحراوية على مستوى العالم.

في هذا المكان، تكشف طبقات الأرض عن قصص تعود إلى أكثر من 125 ألف عام. الأدوات الحجرية، والرواسب، وآثار المواقد القديمة، والعظام، وحتى الحمض النووي المحفوظ في التربة، كلها تحتشد اليوم لتُشكّل مفاتيح فهم حياة الإنسان الأول، وكيف تحرّك، وكيف استطاع النجاة في ظروف مناخية قاسية ومتقلّبة.

يبرز داخل هذا المشهد "ملجأ البحيص الصخري"، أحد أكثر المواقع حساسية علمياً. كشفت دراسة دولية حديثة نُشرت في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" عن أدلّة جديدة تؤكّد أنّ الإنسان لم يمرّ عابراً من هذه المنطقة، كما كانت تفترض بعض النظريات القديمة، بل عاد إليها مراراً واستوطنها خلال فترات متباعدة امتدت من نحو 125 ألف عام إلى 16 ألف عام مضت.

هذه النتائج شكّلت تحوّلاً حقيقياً في النظرة العلمية إلى جنوب شرق الجزيرة العربية. فبدلاً من اعتبار المنطقة مجرد "جسر عبور" نحو آسيا، صارت الفاية تُقرأ كبيئة مستقرّة نسبياً سمحت للإنسان بالتكيّف والتأقلم والاستمرار. وتُظهر البيانات البيئية القديمة أنّ فترات الاستيطان تزامنت مع مراحل تحسّن مناخي ووجود موارد مائية، ما يعزز فرضية أنّ الصحراء العربية لم تكن دائماً فضاءً طارداً للحياة، وإنّما شهدت دورات من الخصب والرطوبة مكّنت البشر من الاستقرار فيها.

هذا العمق التاريخي هو ما يفسّر الاهتمام العلمي الدولي المتزايد بالموقع. ففي أيار/مايو 2026، أعلنت حكومة الشارقة، برعاية الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، إطلاق خمس منح بحثية دولية ضمن برنامج "منحة الفاية للبحوث" بقيمة مليوني درهم، بعد منافسة ضمّت 49 مشروعاً من جامعات ومراكز بحثية من أربع قارات.

تكشف أسماء الجامعات المشاركة حجم الثقل الأكاديمي الذي باتت تحمله الفاية اليوم: جامعة أكسفورد، جامعة خليفة، جامعة توبنغن، جامعة جنوب ألاباما، وجامعات ألمانية وإسبانية وأميركية متخصصة في علوم الآثار والجيولوجيا والجينوم البشري.

ومن بين أبرز المشاريع، ذلك الذي يقوده البروفيسور ديفيد توماس من جامعة أكسفورد، بهدف بناء أول إطار بيئي شامل للفاية خلال الـ200 ألف عام الماضية، عبر صور الأقمار الصناعية ورادارات سبر الأرض وتقنيات التأريخ المتقدمة. كما يعمل باحثون آخرون على استخراج الجينوم القديم من الرواسب والبقايا البشرية لفهم أصول سكان المنطقة وأنماط القرابة والتكيّف البيولوجي لديهم.

ولا تقتصر قيمة الفاية على البُعد الأكاديمي فقط، إذ تمتدّ إلى بعدها الثقافي والرمزي بالنسبة للإمارات. فالموقع يعكس توجهاً إماراتياً واضحاً نحو الاستثمار في المعرفة الإنسانية العميقة، وربط الهوية المحلية بتاريخ الإنسان العالمي. ومن خلال الشراكات العلمية الدولية، تسعى الشارقة إلى تحويل الفاية إلى مركز عالمي للبحث في عصور ما قبل التاريخ، وإلى منصة تتيح للباحثين إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والبيئة والهجرة والتأقلم.

وسط هذا كله، تكتسب الفاية أهمّية كبقعةٍ تتجاوز الموقع الأثري؛ إذ إنّها مساحة زمنية مفتوحة، تختزن آثار خوف الإنسان الأول وأدواته ومحاولاته للبقاء. وفي صمت الجبال والكهوف والرمال، يقف المرء اليوم حائراً مدهوشاً، ولسان حاله: كيف استطاع الإنسان أن يحوّل أكثر البيئات قسوة إلى موطن للحياة؟



