عندما تُقرع الطبول وتتعالى الأصوات الجماعية في ساحة الاحتفال، ينتظ الجميع "العيالة" وهي رقصة شعبية في الإمارات العربية المتحدة، تستعيد ذاكرة الفروسية وروح الجماعة التي شكّلت جزءاً أساسياً من تاريخ المجتمع الإماراتي. فهذه الرقصة التراثية التي توارثتها الأجيال عبر عقود طويلة، ما زالت حتى اليوم واحدة من أكثر الفنون الشعبية حضوراً في المناسبات الوطنية والاجتماعية، لما تحمله من رمزية تعبّر عن القوة والتلاحم والهوية الثقافية.
وتُعد "العيالة" من أبرز الفنون الأدائية الإماراتية الأصيلة، وتعتمد على أداء جماعي يصطف فيه الرجال في صفين متقابلين، يقف أفراد كل صف جنباً إلى جنب في مشهد يحاكي الاستعداد للمعركة. ويحمل المؤدون عصي الخيزران الرفيعة التي ترمز إلى الرماح والسيوف، فيما يتبادلون إلقاء القصائد على إيقاع الطبول والحركات الجماعية المتناغمة.

رقصة "العيالة" الشعبية
ويضم كل صف عادة أكثر من عشرين رجلاً من مختلف الأعمار، ما يمنح الرقصة طابعاً اجتماعياً يعكس روح المشاركة الجماعية. وخلال الأداء، يتحرك المؤدون بانسجام واضح، من خلال تحريك الرؤوس والأكتاف والعصي وفق إيقاع متكرر، بينما يدور آخرون حول الصفوف حاملين السيوف أو البنادق التقليدية، يلوّحون بها في الهواء في مشهد يختلط فيه الفن بالحكاية التاريخية.
وتعتمد «العيالة» بشكل كبير على الشعر النبطي، إذ تتضمن الأبيات المُنشدة معاني الفروسية والشجاعة والمدح والانتماء، ما يجعلها فناً يجمع بين الغناء والأداء الحركي والشعر الشعبي في آن واحد. ولكل مناسبة كلماتها وألحانها الخاصة، إذ تختلف النصوص والإيقاعات بين الأعراس والاحتفالات الوطنية والمناسبات الاجتماعية المختلفة.

رقصة "العيالة" الشعبية
ولا تقتصر أهمية «العيالة» على الجانب الفني فقط، بل تحمل بُعداً ثقافياً عميقاً، لأنها تعكس صورة المجتمع الإماراتي قديماً، حينما كانت قيم الشجاعة والتكاتف والكرم جزءاً من الحياة اليومية. ولهذا، يُنظر إلى الرقصة باعتبارها تجسيداً حياً للهوية الوطنية، أكثر من كونها مجرد أداء احتفالي.
ويُعرف قائد الفرقة أو رئيس "العيالة" بدوره المحوري في تنظيم الأداء، إذ يتولى تنسيق الحركات والإيقاعات وضبط انسجام الصفين، ما يجعل العرض أقرب إلى لوحة جماعية دقيقة تجمع بين الموسيقى والحركة والشعر.

رقصة "العيالة" الشعبية
ورغم تطور الحياة الحديثة، ما زالت "العيالة" حاضرة بقوة في الإمارات، سواء في الاحتفالات الرسمية أم في المهرجانات التراثية أم في الأعراس الشعبية، كما أصبحت جزءاً أساسياً من المشهد الثقافي الذي تستعرضه الدولة أمام العالم في المناسبات الدولية.
وقد ساهم هذا الحضور المستمر في ترسيخ مكانة "العيالة" كأحد أبرز رموز التراث الإماراتي والخليجي، حتى تم إدراجها ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو، اعترافاً بقيمتها الثقافية والإنسانية.
وفي كل مرة تصطف فيها الصفوف وتبدأ الطبول بالعزف، تعود "العيالة" لتروي قصة مجتمع حافظ على تراثه رغم تغير الزمن، ولتؤكد أن الفنون الشعبية هي هوية حيّة ما زالت تنبض في وجدان الإماراتيين حتى اليوم.

رقصة "العيالة" الشعبية



