بين ما تقوم به الآلات وما يؤمن به الإنسان مساحة واسعة اسمها الإرادة. في تلك المساحة تحديداً وُلد الإنجاز الذي حمل اسم الإمارات إلى موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية. فعندما استبعدت برامج الذكاء الاصطناعي إمكانية رفع علم إماراتي عملاق على سارية مثبتة على مركبة متحركة، لم يرَ أحمد حسن الشحي في النتيجة نهاية للفكرة، بل بداية رحلة لإثبات أن بعض الأحلام لا تُقاس بالحسابات وحدها.

علم إماراتي عملاق على سارية مثبتة على مركبة متحركة
الحكاية لم تبدأ برغبة في تسجيل رقم قياسي جديد، بل من شعور أراد صاحبه أن يمنحه شكلاً مرئياً. ومع إطلاق مبادرة "فخورين بالإمارات"، التي أطلقها نائب رئيس الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم، بحث الشحي عن وسيلة مختلفة للتعبير عن محبته لوطنه. لم يشأ أن تكون الرسالة كلمات أو شعارات، بل مشهداً يختصر معنى الانتماء في صورة واحدة: علم الإمارات يرفرف بحجم غير مسبوق فوق مركبة تسير على أرض الدولة.
خلال جلسة جمعت الشحي بعدد من أصدقائه، من بينهم يحيى سعيد لوتاه وناصر لوتاه، طُرحت الفكرة للمرة الأولى. بدت جريئة إلى حد دفع الفريق إلى اللجوء إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لدراسة أبعاد المشروع وإمكان تنفيذه. لكن النتائج جاءت حاسمة، فالسارية المقترحة والعلم الضخم يفرضان أحمالاً كبيرة قد تجعل المركبة غير قادرة على الثبات، مع احتمالات مرتفعة لعدم نجاح التجربة.
ورغم التحذيرات الرقمية، لم يتعامل الفريق معها بوصفها حكماً نهائياً. بدأت مرحلة طويلة من الدراسات والتجارب الهندسية والبحث عن حلول قادرة على تحويل الفكرة إلى واقع. ومع كل تحدٍّ جديد كان المشروع يزداد وضوحاً، إلى أن تبلورت الصورة النهائية لسارية يبلغ طولها ثلاثين متراً وارتفاعها خمسة عشر متراً، مثبتة على مركبة صُممت لتتحمل هذا الحمل الاستثنائي.
استغرقت أعمال التنفيذ ستة أيام فقط، لكنها كانت أياماً مكثفة من العمل المتواصل. تولى يحيى سعيد لوتاه توفير المركبة التي شكّلت قاعدة المشروع، فيما أشرف ناصر لوتاه على الجوانب الهندسية والتقنية الخاصة بالسارية وآليات تثبيتها، لضمان أعلى مستويات السلامة والثبات.

"غينيس" تمنح أحمد الشحي شهادة
ولم تكن التحديات الهندسية وحدها هي العقبة. فالمشروع احتاج إلى مساحة واسعة ومدرج مناسب يسمح بإجراء المحاولة بأمان. وبعد سلسلة من الاتصالات، أسهم تعاون إدارة "سكاي دايف دبي" في توفير الموقع الملائم خلال وقت قياسي، ما أتاح الانتقال من مرحلة التحضير إلى لحظة التنفيذ الفعلي.
وعندما ظهر الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، كانت المفاجأة أكبر من المتوقع. فقد اعتقد كثيرون أن المشهد صُمم باستخدام المؤثرات البصرية أو تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ بدا حجم العلم والسارية خارج المألوف. لكن الواقع كان أكثر إثارة من الخيال، فالفريق وثّق جميع مراحل العمل، واضطر لاحقاً إلى عرض التسجيلات الأصلية والوثائق الفنية لإثبات أن الإنجاز تحقق فعلاً على أرض الواقع.
في الثالث والعشرين من نيسان/أبريل سُجل الرقم القياسي رسمياً في دبي، قبل أن تمنح موسوعة "غينيس" اعتمادها النهائي في الخامس من حزيران/يونيو، بعد مراجعة دقيقة لجميع الأدلة الفنية والتسجيلات الخاصة بالمحاولة. وهكذا تحولت فكرة وُصفت في البداية بأنها غير قابلة للتنفيذ إلى إنجاز عالمي يحمل اسم الإمارات.
لكن الشحي يرى أن القيمة الحقيقية للمشروع لم تكن في الشهادة أو الرقم القياسي. فالأثر الأكبر تمثل في حجم التفاعل الذي رافق الإنجاز، وفي مشاعر الفخر التي عبّر عنها المواطنون والمقيمون وهم يشاهدون العلم الإماراتي يرتفع في مشهد استثنائي. بالنسبة إليه، كانت تلك اللحظات دليلاً على أن الرسالة وصلت، وأن الفكرة نجحت في تحقيق هدفها الأهم.
ويحمل هذا الإنجاز أهمية خاصة في مسيرة الشحي، إذ يمثل الرقم القياسي التاسع الذي يحققه في موسوعة "غينيس"، بعدما ارتبطت إنجازاته السابقة برياضات القفز الحر والطيران الرياضي. غير أن هذا الرقم يختلف عن غيره، لأنه لم يرتبط بمهارة رياضية أو تحدٍّ شخصي، بل برمز وطني
جمع حوله مشاعر الناس.
ويؤكد الشحي أن ما حققه لم يكن ليرى النور لولا البيئة التي توفرها الإمارات لأبنائها، والدعم المستمر الذي يحظى به أصحاب الأفكار والطموحات. كما يشير إلى أن ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم كان مصدر إلهام ودعم لمسيرته الرياضية، شأنه شأن كثير من الشباب الإماراتي الذين يجدون في قيادتهم حافزاً دائماً على تجاوز الحدود التقليدية للإنجاز.
وفي نهاية الرحلة، أهدى أحمد حسن الشحي الرقم القياسي إلى الرئيس الاماراتي محمد بن زايد آل نهيان، ورئيس الوزراء حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم، وأعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات، مؤكداً أن ما تحقق هو قبل كل شيء رسالة وفاء ومحبة لوطن علّمه أن المستحيل ليس سوى فكرة تنتظر من يجرؤ على تجاوزها.



