غالباً ما تُوصَف بأنها العاصمة الثقافية لدولة الإمارات العربية المتحدة. إمارة فتحت قلبها للمساجد والمتاحف والمكتبات. نجحت إمارة الشارقة في مزج تاريخٍ إنساني ضارب في القدم مع سياسةٍ ثقافية حديثة تتّسم بقدرٍ لافت من الوعي والتخطيط، وهو ما يؤكّده اعتماداتها من منظمة اليونسكو، ويترسّخ عبر مؤسساتٍ رائدة في مجالات المتاحف والفن المعاصر والنشر.
خلافاً للاعتقاد السائد، لا تبدأ حكاية الشارقة مع سفن الغوص بحثاً عن اللؤلؤ أو مع موجة ناطحات السحاب في زمن النفط، بل تمتدّ جذورها إلى عصورٍ أقدم بكثير. فقد كشفت الأبحاث الأثرية في مناطقها الداخلية - ولا سيما في موقع بحيص الصخري وجبل الفاية - عن دلائل على تكرار الاستيطان البشري في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية عبر فتراتٍ واسعة من العصر البليستوسيني وما تلاه.
هذه الآفاق السحيقة تندرج ضمن جغرافيا مدمجة على نحوٍ لافت؛ إذ تشير اليونسكو إلى أنّ مساحة الشارقة تقارب 235 كيلومتراً مربعاً، تمتد بين مناطق ساحلية وجبلية، في إمارةٍ تتجاوز "كثافتها" الثقافية حدود مساحتها الفعلية. وتشمل الإمارة: الشارقة العاصمة، المدن الساحلية الشرقية (خورفكان، كلباء، ودبا الحصن)، المناطق الداخلية والوسطى (مدينة الذيد، منطقة المدام، منطقة مليحة)، ومناطق تابعة إدارياً (منطقة الحمرية).

تشكّلت ملامح الشارقة الحديثة بقدرٍ من الديبلوماسية لا يقلّ عن دور التجارة. ففي ظلّ الترتيبات "الصلحية" التي أرستها بريطانيا في القرن التاسع عشر، دخل حكّام الساحل في منظومةٍ تعاهدية أسهمت في استقرار حركة التجارة البحرية. وجاءت لاحقاً محطة مفصلية مع بزوغ عصر الطيران؛ إذ حصلت شركة "إمبريال إيرويز" عام 1932 على اتفاق لإنشاء محطة جوية، أعقبها هبوطٌ تاريخي في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه في الموقع الذي أصبح لاحقاً "متحف المحطّة".
مع إعلان قيام الاتحاد في 2 كانون الأول/ديسمبر 1971، تولّى الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الحكم في 25 كانون الثاني/يناير 1972، وهو تولٍّ سرعان ما غدا ملازماً للتحوّل الثقافي الذي ميّز الشارقة.
تُعدّ الهوية الثقافية للإمارة خياراً سياساتيّاً مُمنهجاً يتكرّس عبر اعترافاتٍ دولية متتالية. في عام 2014، أُعلنت الشارقة "عاصمةً للثقافة الإسلامية" ضمن برنامجٍ تشرف عليه الإيسيسكو. وتُدرِج اليونسكو الشارقة ضمن شبكة "المدن الإبداعية" في مجال الحِرف والفنون الشعبية منذ عام 2019، مع تسليط الضوء على ممارساتٍ تراثية مثل حياكة "التلّي"، وهي حرفة يدوية تقليدية عريقة لتزيين الملابس.

تقف وراء هذا المسار شبكةٌ مؤسّسية راسخة وفاعلة، تتقدّمها هيئة الشارقة للمتاحف (2006) لإدارة القطاع المتحفي وتطويره، إلى جانب مؤسساتٍ رائدة مثل متحف الشارقة للفنون (1997)، وهيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق، 2009). وفي الفن المعاصر، تبرز مؤسسة الشارقة للفنون (2009) كرافعةٍ للحضور الدولي عبر "بينالي الشارقة" الذي انطلق عام 1993 واستمرّ منصةً دورية للفنون الإقليمية والعالمية. وتكتمل هذه البنية عبر قطاع النشر، إذ تأسّست هيئة الشارقة للكتاب عام 2014 لتنظيم "معرض الشارقة الدولي للكتاب" (1982)، فيما عزّز اختيار الإمارة "عاصمةً عالميةً للكتاب 2019" إطلاق "بيت الحكمة"، المنصّة الثقافية الكبرى التي تضم أكثر من 100 ألف كتاب.

في موازاة ذلك، تتجسّد "القوة الناعمة" للشارقة في الرياضة، حيث يحتفظ "استاد الشارقة للكريكيت" بالرقم القياسي لعدد مباريات الـODI عالمياً (255 مباراة بين 1984 و2024)، واستضافت الإمارة إحدى محطات كأس العالم T20 لعام 2021. ويشكّل "نادي الشارقة الثقافي الرياضي" محور كرة القدم المحلية، من خلال ملاعب مثل "استاد الشارقة" و"استاد خالد بن محمد"، فيما يحضر "طواف الشارقة" على أجندة الاتحاد الدولي للدراجات، مؤكداً تكامل الرياضة مع المشروع الثقافي الأوسع للإمارة.
تُشكّل الشارقة نموذجاً متكاملاً تتساند فيه التشريعات التراثية وسبل العيش المرتبطة بالحِرف، والمتاحف، والبنية التحتية للنشر، والفعاليات ذات الطابع الدولي، في منظومةٍ يعزّز كلّ عنصرٍ فيها الآخر. وإذا ما حافظت الإمارة على هذا التوازن، بين الانفتاح العالمي ورعاية الخصوصية الثقافية المحلية، فإنها تبدو مهيّأة للاستمرار كأكثر العواصم الثقافية في دولة الإمارات ارتكازاً إلى العمل المؤسسي واستدامته.




