في قلب جامعة السوربون - أبوظبي تتجلى تجربة تعليمية فريدة، حيث تتلاقى الثقافات وتتنوّع التخصّصات الأكاديمية. هنا، تجلس البروفيسورة ناتالي مارتيال-براز لتروي مسيرة الجامعة في التكيّف مع التحولات التي تشهدها دولة الإمارات. من منظورها، الجامعة امتداد لإحدى أقدم الجامعات الأوروبية، ذات الإرث الطويل في العلوم الإنسانية، لكنها في الوقت نفسه ملتزمة التماشي مع رؤية الدولة وطموحاتها المستقبلية، خصوصاً في مرحلة يشهد فيها الاقتصاد الوطني تغيّرات كبيرة ويستعد لمواجهة تحديات المستقبل.
توضح مارتيال-براز أن الجامعة منذ عام 2019 بدأت إعادة هيكلة برامجها ومناهجها البحثية، مع إدماج الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من العملية التعليمية. ومنذ ذلك الحين، تُراجع كل المناهج لضمان توافق أهداف التعليم والبحث مع رؤية الدولة، مع الحفاظ على إرث السوربون الأكاديمي وتميّز أساليبها التعليمية.

تؤكد مارتيال-براز أن الجامعة تتبنّى مقاربة شمولية للتكنولوجيا، فلا تركز على الجانب التقني فقط، بل تربطه بالقانون والأخلاقيات والفلسفة والجغرافيا وسائر العلوم الإنسانية. ويشكل التعدد الثقافي واللغوي إحدى ركائز الحياة الجامعية، حيث يضمّ الحرم أكثر من 80 جنسية. في هذا التنوّع، يتعلم الطلاب التسامح وفهم الآخرين، ويصبحون قادرين على التعايش مع اختلافاتهم تعايشاً متكاملاً. توضح مارتيال-براز كيف يتعيّن على الجامعة مراعاة مناسبات متعددة في الوقت نفسه، مثل رمضان والصوم الكبير وعيد الميلاد الأرثوذكسي، ما يعكس بيئة تعليمية قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل.
وتشير إلى أن صغر حجم الجامعة مقارنة بفرع باريس منحها مرونة أكبر لتجربة المناهج الجديدة وتطويرها، ما يسمح لها بالعمل كمختبر للتجديد والابتكار، مع القدرة على التكيّف الأسرع من المؤسسات الأكبر حجماً في أوروبا. وتؤكد التعاون مع المجتمع وسوق العمل، من خلال مجالس استشارية وشراكات مع القطاعين العام والخاص، ما يتيح للجامعة فهم احتياجات المجتمع والعمل على تلبية متطلبات السوق.
تركز مارتيال-براز كذلك على القطاعات البحثية الاستراتيجية، مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم المحيطات والتراث الثقافي والقانون والسياسات العامة. وتشير إلى أن الجامعة تعمل على تطوير الذكاء الاصطناعي بالعمل ضمن النظام البيئي الحالي مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) وجامعة خليفة (Khalifa University)، إضافة إلى مؤسسات أخرى. وتشدد على أنه لا يُمكن تطوير التكنولوجيا بمفردها، بل يجب دمج العلوم الإنسانية معها لإحداث تأثير فعلي وملموس في المجتمع والبيئة.

من أبرز إنجازات الجامعة في هذا المجال، تأسيس معهد علوم المحيطات في كانون الأول/ ديسمبر 2023، الذي أجرى أبحاثاً مهمة حول الأعشاب البحرية والأطوم وأشجار القرم، وهذا له أثر مباشر على البيئة في الإمارات.
إلى ذلك تتولى البروفيسورة أود-سولفيغ إبستين سرد رؤيتها الخاصة حيال التعليم في الجامعة. تقول إن نموذج التعليم الفرنسي الذي تتبعه الجامعة يركز على الانضباط الأكاديمي والعمق المعرفي، بحيث يتعلم الطلاب فهم المنهجية وأدوات تخصّصهم قبل التوسّع في مجالات أخرى. ويشدد هذا النموذج على وضوح التفكير والتعبير، إذ تعتبر القدرة على التعبير الكتابي والشفوي جزءاً أساسياً من التكوين الفكري، لا مجرد مهارة ثانوية. الجمع بين الانضباط الأكاديمي ووضوح التعبير، وفقاً لرؤيتها، يعزز التفكير النقدي لدى الطلاب، ويمنحهم القدرة على تحليل المعرفة وفحصها بعمق، بما يمكّنهم من مراجعة الافتراضات واكتشاف الثغرات ومقارنة الأدلة المختلفة.
وتضيف أود-سولفيغ أن الجامعة ليست مجرد فرع لمؤسسات التعليم الفرنسي، بل هي مؤسسة مدمجة في سياق الإمارات، تعمل على بناء تعليم مستقبلي مستدام، وتعزيز الوعي الثقافي والحوار بين التقاليد الأوروبية والخليجية. ولهذا تولي الجامعة اهتماماً كبيراً للتعلم القائم على البحث والعمل، الذي يشجع الطلاب على المشاركة في البحث بأنفسهم واكتساب المهارات المهنية والقابلة للنقل بين مختلف المجالات. وتؤكد أهمية الشراكات الطويلة المدى بين فرنسا والإمارات، ودعم التنقل الأكاديمي والفعاليات الثقافية التي تربط بين المجتمعات الفرنسية والإماراتية، بما يعكس الطابع الديبلوماسي والأكاديمي للجامعة.
وعن الاستدامة والحوكمة البيئية، تقول أود-سولفيغ إن هذا المجال أصبح ركيزة أساسية في الخطة الاستراتيجية 2024-2028، إذ تُدمج الاستدامة عبر كل البرامج الأكاديمية والبحثية. فالطلاب في المالية يتعلمون عن الاستثمار المستدام، وطلاب الذكاء الاصطناعي يصمّمون أنظمة مستدامة، وطلاب تخطيط المدن يدرسون كيفية بناء بيئات حضرية صديقة للعيش. وتضيف: "فازت الجامعة أخيراً بالمركز الأول في جوائز الشيخ حمدان بن زايد البيئية. وهذا يعكس تأثير أبحاثنا وشراكاتنا العملية على أرض الواقع".
وتؤكد أود-سولفيغ أن الجامعات تلتزم بتعليم الطلاب كيفية العمل بمسؤولية تجاه البيئة والمجتمع.
في هذا المشهد التعليمي، يبدو الحرم الجامعي في أبوظبي بمثابة مساحة للتعلم والبحث والتفاعل الثقافي تجمع بين الإرث الأوروبي والطموح الإماراتي، وتعدّ الطلاب لمستقبل يتطلب المرونة، والتفكير النقدي، والمسؤولية الاجتماعية والبيئية، مع ضمان استمرار الابتكار في مجالات التكنولوجيا والعلوم الإنسانية والبحثية.


