في لحظة يتعامل فيها العالم مع الذكاء الاصطناعي بوصفه موجة تكنولوجية أو سباق شركات، اختارت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تتعامل معه بوصفه طبقة جديدة تُضَاف إلى هيكل الدولة نفسه، لا كمجرد أداة لتحسين الخدمات، ولا قطاعاً ناشئاً داخل الاقتصاد، بل منظومة قدرة تمتد من المعرفة إلى الحوسبة إلى الاستثمار إلى الحوكمة. بهذا المعنى، لا تبدأ قصة الذكاء الاصطناعي في الإمارات من المختبرات، بل من القرار.
لم يكن إدراج الذكاء الاصطناعي من ضمن السياسات الوطنية حدثاً متأخراً. مع إطلاق استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، دخلت الدولة مرحلة التعامل مع التكنولوجيا بوصفها جزءاً من التخطيط الاقتصادي والحكومي البعيد الأجل، يهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية والاقتصادية وبناء قاعدة معرفية قابلة للتصدير مستقبلاً. هنا لا يُنظَر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه قطاعاً منفصلاً، بل كبنية أفقية تعيد تشكيل قطاعات قائمة: الصحة، والنقل، والطاقة، والتعليم، والإدارة الحكومية.
في هذا الإطار، يظهر اختلاف النموذج الإماراتي عن كثير من التجارب الأخرى. بدلاً من انتظار نضج السوق، تبنّت الدولة دور "المشغّل الأول": إدماج الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الحكومية، وتطوير بيئة تنظيمية تستبق استخداماته، وربطه مباشرة بأهداف التنويع الاقتصادي. هذا التحول يضع الذكاء الاصطناعي في موقع مشابه للبنية التحتية في مراحل سابقة من بناء الدولة: أساس لا يُرَى دائماً، لكنه يحدّد شكل ما يُبنَى فوقه.

الإمارات والاستثمار في التكنولوجيا
لكن القرار وحده لا يصنع منظومة. لذلك تحرّك الاستثمار المؤسسي ليصبح جزءاً من السياسة التكنولوجية نفسها. في عام 2024 أُطلِقت في أبو ظبي شركة "إم جي إكس" بوصفها منصة استثمارية متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة بدعم من مؤسسات سيادية، في خطوة تعكس توجهاً نحو بناء قدرة استثمارية بعيدة الأجل في هذا المجال، وليس مجرد المشاركة في موجة تمويل شركات ناشئة.
وفي العام ذاته، أعلنت شركة "مايكروسوفت" استثماراً بقيمة 1.5 مليار دولار في شركة "جي 42"، في واحدة من أبرز الشراكات التكنولوجية في المنطقة، بهدف تطوير البنية السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق إقليمي وعالمي. استثمار كهذا لا يُقرَأ بوصفه صفقة مالية فقط، بل مؤشراً إلى دخول الإمارات في شبكة تطوير الذكاء الاصطناعي العالمية كشريك تكنولوجي وتشغيلي.
ويمتد الاستثمار إلى ما هو أبعد من الشركات والتطبيقات، إذ تتجه الدولة إلى بناء بنية حاسوبية متقدمة تشمل مراكز بيانات عالية القدرة ومنصات تشغيل للنماذج وشراكات مع شركات تكنولوجيا عالمية لتطوير قدرات المعالجة والتخزين.
هذه الاستثمارات لا تُقَاس بحجمها المالي فقط، بل بقدرتها على تحويل الدولة إلى نقطة تشغيل إقليمية للذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يتحوّل إلى ركيزة اقتصادية
كذلك تؤدي الصناديق السيادية دوراً متنامياً في توجيه رؤوس الأموال نحو التكنولوجيات المتقدمة، في إطار استراتيجية أوسع لتنويع المحافظ الاستثمارية عالمياً وربطها بقطاعات المستقبل. هذا التداخل بين الاستثمار السيادي والتكنولوجي يعكس تحوّل الذكاء الاصطناعي من مجال ابتكار إلى ركيزة اقتصادية.
في هذا السياق يبرز برنامج "فالكون" بوصفه لحظة مفصلية. هو لا يُقرَأ بوصفه إنجازاً تكنولوجياً فحسب، بل قراراً معرفياً: أن تكون الدولة منتجاً لنماذج الذكاء الاصطناعي، لا مستهلكاً لها فقط.
ومع إطلاق نماذج متعددة الأحجام والوظائف، اتجهت المقاربة نحو قابلية الاستخدام والتشغيل، لا نحو الاستعراض التكنولوجي، ما يعكس فلسفة تستند إلى تحويل المعرفة إلى قدرة تشغيلية داخل الاقتصاد.
وإلى جانب المعرفة والاستثمار والحوسبة، يتشكّل عنصر رابع لا يقل أهمية: المنظومة الإيكولوجية. لا تنمو التكنولوجيا في فراغ، بل في بيئة تجمع الشركات والجامعات وروّاد الأعمال والجهات التنظيمية. لذلك برزت منصات وطنية ومناطق ابتكار تهدف إلى ربط الدولة بالسوق العالمية للتكنولوجيا، وجذب الشركات الناشئة، وتسهيل انتقال المعرفة إلى الاقتصاد الحقيقي.
موقع الإمارات في المشهد الإقليمي
هذه العناصر مجتمعة تعيد تعريف موقع الإمارات في المشهد الإقليمي. بدلاً من محاولة محاكاة نموذج وادي السيليكون، تتجه الدولة نحو دور مختلف: منصة تشغيل إقليمية للذكاء الاصطناعي تجمع الاستثمار والبنية التحتية والمعرفة والبيئة التنظيمية، وتتيح للشركات العالمية استخدامها كنقطة انطلاق نحو أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا.
غير أن بناء هذه المنظومة لا يجري بمعزل عن السياق العالمي. يرتبط الذكاء الاصطناعي اليوم بسلاسل إمداد معقدة وبسياسات تكنولوجية دولية تتعلق بالشرائح المتقدمة والبيانات والمعايير. وهذا يفرض معادلة دقيقة: كيف تُبنَى قدرة وطنية متنامية، مع الحفاظ على الاندماج في الاقتصاد العالمي للتكنولوجيا؟

الذكاء الاصطناعي في الإمارات
كذلك يطرح الذكاء الاصطناعي أسئلة حوكمة تتجاوز الاقتصاد. فمع توسع استخداماته، تبرز مسائل تتعلق بالخصوصية وأمن البيانات ودور الخوارزميات في الخدمات العامة. ولا يقتصر التعامل مع هذه المسائل على القوانين التكنولوجية، بل يتطلب رؤية مؤسسية حول حدود التكنولوجيا ومسؤوليتها داخل المجتمع. وهذا ما تعيه السلطات الإماراتية وتعمل في ضوئه.
لهذا، لا يمكن قراءة تجربة الإمارات في الذكاء الاصطناعي بوصفها سباقاً نحو التكنولوجيا، بل محاولة لإعادة تصميم العلاقة بين الدولة والمستقبل. التكنولوجيا هنا وسيلة، لكن الهدف أوسع: اقتصاد قادر على المنافسة، وإدارة حكومية أكثر كفاءة، ومجتمع قادر على التكيّف مع تحولات العمل والمعرفة.
في هذا المعنى، يصبح الذكاء الاصطناعي امتداداً لمراحل سابقة من بناء الدولة: من البنية التحتية المادية، إلى البنية المالية، إلى البنية الرقمية. كل مرحلة أضافت طبقة من القدرة. واليوم تتشكل طبقة جديدة فوق هذه كلها: طبقة الذكاء الاصطناعي، حيث تتداخل المعرفة مع القرار، والاستثمار مع الحوسبة، والتنظيم مع الابتكار.
قد لا تكون نتائج هذه الطبقة مرئية بالكامل بعد، كما لم تكن البنية التحتية مرئية في بداياتها. لكن ما يظهر بالفعل هو اتجاه واضح: الانتقال من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجه، ومن استيراد التكنولوجيا إلى تشغيلها، ومن استهلاك المعرفة إلى المساهمة في صناعتها. في عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية، قد يكون هذا الانتقال أحد العوامل الحاسمة في تحديد موقع الدول داخل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة من الزمن.



